Skip to Content
Loading...
Admin MTs RUPA
Admin MTs RUPA
Online
Halo 👋
Ada yang bisa dibantu?

Kitab Ta'limul Muta'allim: Adab Menuntut Ilmu (Teks Arab & Terjemah)

Sampul Kitab Ta'limul Muta'allim

Kitab Ta'limul Muta'allim (تعليم المتعلم طريق التعلم, "Pengajaran bagi Penuntut Ilmu: Jalan Belajar") adalah kitab klasik tentang adab menuntut ilmu karya Imam Burhanuddin Ibrahim bin Muhammad Az-Zarnuji (wafat sekitar tahun 593 Hijriah). Kitab ini menjadi pegangan utama para santri tentang niat yang benar, adab kepada guru, kesungguhan belajar, dan akhlak seorang penuntut ilmu.

Ketik pada kolom pencarian untuk langsung menemukan fasal yang dicari, atau klik judul fasal di bawah untuk membuka isinya. Setiap paragraf Arab dilengkapi terjemah Indonesia yang tersembunyi — klik tombol "Lihat Terjemahan" di bawahnya untuk membukanya.

Muqaddimah Mushannif
مُقَدِّمَةٌ
اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِيْ فَضَّلَ عَلَىٰ بَنِيْ آدَمَ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ عَلَىٰ جَمِيْعِ الْعَالَمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَعَلَىٰ آلِهِ وَأَصْحَابِهِ يَنَابِيْعِ الْعُلُوْمِ وَالْحِكَمِ.
وَبَعْدُ... فَلَمَّا رَأَيْتُ كَثِيْرًا مِنْ طُلَّابِ الْعِلْمِ فِيْ زَمَانِنَا يَجِدُّوْنَ إِلَى الْعِلْمِ وَلَا يَصِلُوْنَ [وَمِنْ مَنَافِعِهِ وَثَمَرَاتِهِ ـ وَهِيَ الْعَمَلُ بِهِ وَالنَّشْرُ ـ يُحْرَمُوْنَ] لِمَا أَنَّهُمْ أَخْطَأُوْا طَرِيْقَهُ وَتَرَكُوْا شَرَائِطَهُ، وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ الطَّرِيْقَ ضَلَّ، وَلَا يَنَالُ الْمَقْصُوْدَ قَلَّ أَوْ جَلَّ، فَأَرَدْتُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أُبَيِّنَ لَهُمْ طَرِيْقَ التَّعَلُّمِ عَلَىٰ مَا رَأَيْتُ فِي الْكُتُبِ وَسَمِعْتُ مِنْ أَسَاتِيْذِيْ أُوْلِي الْعِلْمِ وَالْحِكَمِ، رَجَاءَ الدُّعَاءِ لِيْ مِنَ الرَّاغِبِيْنَ فِيْهِ، الْمُخْلِصِيْنَ، بِالْفَوْزِ وَالْخَلَاصِ فِيْ يَوْمِ الدِّيْنِ، بَعْدَ مَا اسْتَخَرْتُ اللّٰهَ تَعَالَىٰ فِيْهِ،
وَسَمَّيْتُهُ: تَعْلِيْمُ الْمُتَعَلِّمِ طَرِيْقُ التَّعَلُّمِ
وَجَعَلْتُهُ فُصُوْلًا:
فَصْلٌ: فِيْ مَاهِيَّةِ الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، وَفَضْلِهِ.
فَصْلٌ: فِي النِّيَّةِ فِيْ حَالِ التَّعَلُّمِ.
فَصْلٌ: فِي اخْتِيَارِ الْعِلْمِ، وَالْأُسْتَاذِ، وَالشَّرِيْكِ، وَالثَّبَاتِ.
فَصْلٌ: فِيْ تَعْظِيْمِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ.
فَصْلٌ: فِي الْجِدِّ وَالْمُوَاظَبَةِ وَالْهِمَّةِ.
فَصْلٌ: فِيْ بِدَايَةِ السَّبْقِ وَقَدْرِهِ وَتَرْتِيْبِهِ.
فَصْلٌ: فِي التَّوَكُّلِ.
فَصْلٌ: فِيْ وَقْتِ التَّحْصِيْلِ.
فَصْلٌ: فِي الشَّفَقَةِ وَالنَّصِيْحَةِ.
فَصْلٌ: فِي الْاِسْتِفَادَةِ وَاقْتِبَاسِ الْأَدَبِ.
فَصْلٌ: فِي الْوَرَعِ.
فَصْلٌ: فِيْمَا يُوْرِثُ الْحِفْظَ، وَفِيْمَا يُوْرِثُ النِّسْيَانَ.
فَصْلٌ: فِيْمَا يَجْلِبُ الرِّزْقَ، وَفِيْمَا يَمْنَعُ، وَمَا يَزِيْدُ فِي الْعُمْرِ، وَمَا يَنْقُصُ.
وَمَا تَوْفِيْقِيْ إِلَّا بِاللّٰهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ.
Fasal 1 — Hakikat Ilmu, Fiqih, dan Keutamaannya
فَصْلٌ فِيْ مَاهِيَّةِ الْعِلْمِ، وَالْفِقْهِ، وَفَضْلِهِ
قَالَ رَسُوْلُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ
اِعْلَمْ، بِأَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ، طَلَبُ كُلِّ عِلْمٍ وَإِنَّمَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ طَلَبُ عِلْمِ الْحَالِ كَمَا قَالَ: وَأَفْضَلُ الْعِلْمِ عِلْمُ الْحَالِ، وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ حِفْظُ الْحَالِ
وَيُفْتَرَضُ عَلَى الْمُسْلِمِ طَلَبُ مَا يَقَعُ لَهُ فِيْ حَالِهِ، فِيْ أَيِّ حَالٍ كَانَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فَيُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ مَا يَقَعُ لَهُ فِيْ صَلَاتِهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّيْ بِهِ فَرْضَ الصَّلَاةِ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّيْ بِهِ الْوَاجِبَ، لِأَنَّ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَىٰ إِقَامَةِ الْفَرْضِ يَكُوْنُ فَرْضًا، وَمَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَىٰ إِقَامَةِ الْوَاجِبِ يَكُوْنُ وَاجِبًا وَكَذَا فِي الصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَالْحَجِّ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَكَذَا فِي الْبُيُوْعِ إِنْ كَانَ يَتَّجِرُ.
قِيْلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِ: لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَابًا فِي الزُّهْدِ؟ قَالَ: قَدْ صَنَّفْتُ كِتَابًا فِي الْبُيُوْعِ، يَعْنِيْ: الزَّاهِدُ مَنْ يَحْتَرِزُ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالْمَكْرُوْهَاتِ فِي التِّجَارَاتِ
وَكَذٰلِكَ فِيْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ وَالْحِرَفِ، وَكُلُّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْهَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ التَّحَرُّزِ عَنِ الْحَرَامِ فِيْهِ. وَكَذٰلِكَ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ عِلْمُ أَحْوَالِ الْقَلْبِ مِنَ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالْخَشْيَةِ وَالرِّضَا، فَإِنَّهُ وَاقِعٌ فِيْ جَمِيْعِ الْأَحْوَالِ.
وَشَرَفُ الْعِلْمِ لَا يَخْفَىٰ عَلَىٰ أَحَدٍ إِذْ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالْإِنْسَانِيَّةِ لِأَنَّ جَمِيْعَ الْخِصَالِ سِوَى الْعِلْمِ، يَشْتَرِكُ فِيْهَا الْإِنْسَانُ وَسَائِرُ الْحَيَوَانَاتِ: كَالشَّجَاعَةِ وَالْجَرَاءَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْجُوْدِ وَالشَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا سِوَى الْعِلْمِ.
وَبِهِ أَظْهَرَ اللّٰهُ تَعَالَىٰ فَضْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُوْدِ لَهُ.
وَإِنَّمَا شَرَفُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهِ وَسِيْلَةً إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ، الَّذِيْ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمَرْءُ الْكَرَامَةَ عِنْدَ اللّٰهِ، وَالسَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، كَمَا قِيْلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِمَا شِعْرًا:
تَعَلَّمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ زَيْنٌ لِأَهْلِهِ # وَفَضْلٌ وَعُنْوَانٌ لِكُلِّ مَحَامِدِ
وَكُنْ مُسْتَفِيْدًا كُلَّ يَوْمٍ زِيَادَةً # مِنَ الْعِلْمِ وَاسْبَحْ فِيْ بُحُوْرِ الْفَوَائِدِ
تَفَقَّهْ فَإِنَّ الْفِقْهَ أَفْضَلُ قَائِدٍ # إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَأَعْدَلُ قَاصِدِ
هُوَ الْعِلْمُ الْهَادِيْ إِلَىٰ سُنَنِ الْهُدَىٰ # هُوَ الْحِصْنُ يُنْجِيْ مِنْ جَمِيْعِ الشَّدَائِدِ
فَإِنَّ فَقِيْهًا وَاحِدًا مُتَوَرِّعًا # أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدِ
(وَالْعِلْمُ وَسِيْلَةٌ إِلَىٰ مَعْرِفَةِ: الْكِبْرِ، وَالتَّوَاضُعِ، وَالْأُلْفَةِ، وَالْعِفَّةِ، وَالْإِسْرَافِ، وَالتَّقْتِيْرِ، وَغَيْرِهَا)، وَكَذٰلِكَ فِيْ سَائِرِ الْأَخْلَاقِ نَحْوِ الْجُوْدِ، وَالْبُخْلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْجَرَاءَةِ. فَإِنَّ الْكِبْرَ، وَالْبُخْلَ، وَالْجُبْنَ، وَالْإِسْرَافَ حَرَامٌ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا إِلَّا بِعِلْمِهَا، وَعِلْمِ مَا يُضَادُّهَا، فَيُفْتَرَضُ عَلَىٰ كُلِّ إِنْسَانٍ عِلْمُهَا.
وَقَدْ صَنَّفَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ الشَّهِيْدُ نَاصِرُ الدِّيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ كِتَابًا فِي الْأَخْلَاقِ وَنِعْمَ مَا صَنَّفَ، فَيَجِبُ عَلَىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ حِفْظُهَا.
وَأَمَّا حِفْظُ مَا يَقَعُ فِي الْأَحَايِيْنِ فَفَرْضٌ عَلَىٰ سَبِيْلِ الْكِفَايَةِ، إِذَا قَامَ الْبَعْضُ فِيْ بَلْدَةٍ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِيْنَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلْدَةِ مَنْ يَقُوْمُ بِهِ اشْتَرَكُوْا جَمِيْعًا فِي الْمَأْثَمِ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذٰلِكَ، وَيُجْبِرَ أَهْلَ الْبَلْدَةِ عَلَىٰ ذٰلِكَ.
قِيْلَ: إِنَّ الْعِلْمَ مَا يَقَعُ عَلَىٰ نَفْسِهِ فِيْ جَمِيْعِ الْأَحْوَالِ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ لَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذٰلِكَ.
وَعِلْمُ مَا يَقَعُ فِي الْأَحَايِيْنِ بِمَنْزِلَةِ الدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ (فِيْ بَعْضِ الْأَوْقَاتِ).
وَعِلْمُ النُّجُوْمِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ، فَتَعَلُّمُهُ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَالْهَرَبُ عَنْ قَضَاءِ اللّٰهِ تَعَالَىٰ وَقَدَرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ.
فَيَنْبَغِيْ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيْ جَمِيْعِ أَوْقَاتِهِ بِذِكْرِ اللّٰهِ تَعَالَىٰ وَالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّدَقَاتِ [الدَّافِعَةِ لِلْبَلَاءِ] [وَالصَّلَاةِ]، وَيَسْأَلَ اللّٰهَ تَعَالَى الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدِّيْنِ وَالْآخِرَةِ لِيَصُوْنَ اللّٰهُ عَنْهُ تَعَالَى الْبَلَاءَ وَالْآفَاتِ، فَإِنَّ مَنْ رُزِقَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمِ الْإِجَابَةَ. فَإِنْ كَانَ الْبَلَاءُ مُقَدَّرًا يُصِيْبُهُ لَا مَحَالَةَ، وَلٰكِنْ يُبِرُّ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَيَرْزُقُهُ الصَّبْرَ بِبَرَكَةِ الدُّعَاءِ.
أَمَّا إِذَا تَعَلَّمَ مِنَ النُّجُوْمِ قَدْرَ مَا يَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَأَوْقَاتَ الصَّلَاةِ فَيَجُوْزُ ذٰلِكَ.
وَأَمَّا تَعَلُّمُ عِلْمِ الطِّبِّ فَيَجُوْزُ، لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ فَيَجُوْزُ تَعَلُّمُهُ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ. وَقَدْ تَدَاوَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الْفِقْهِ لِلْأَدْيَانِ، وَعِلْمُ الطِّبِّ لِلْأَبْدَانِ، وَمَا وَرَاءَ ذٰلِكَ بُلْغَةُ مَجْلِسٍ.
وَأَمَّا تَفْسِيْرُ الْعِلْمِ: فَهُوَ صِفَةٌ يَتَجَلَّىٰ بِهَا الْمَذْكُوْرُ لِمَنْ قَامَتْ هِيَ بِهِ كَمَا هُوَ. وَالْفِقْهُ: مَعْرِفَةُ دَقَائِقِ الْعِلْمِ مَعَ نَوْعِ عِلَاجٍ. قَالَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِ: الْفِقْهُ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا. وَقَالَ: مَا الْعِلْمُ إِلَّا لِلْعَمَلِ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ تَرْكُ الْعَاجِلِ لِلْآجِلِ.
فَيَنْبَغِيْ لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ نَفْسِهِ، مَا يَنْفَعُهَا وَمَا يَضُرُّهَا، فِيْ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَيَسْتَجْلِبَ مَا يَنْفَعُهَا وَيَجْتَنِبَ عَمَّا يَضُرُّهَا، كَيْ لَا يَكُوْنَ عَقْلُهُ وَعَمَلُهُ حُجَّةً فَيَزْدَادَ عُقُوْبَةً، نَعُوْذُ بِاللّٰهِ مِنْ سَخَطِهِ وَعُقُوْبِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِيْ مَنَاقِبِ الْعِلْمِ وَفَضَائِلِهِ، آيَاتٌ وَأَخْبَارٌ صَحِيْحَةٌ مَشْهُوْرَةٌ لَمْ نَشْتَغِلْ بِذِكْرِهَا كَيْ لَا يَطُوْلَ الْكِتَابُ.
Fasal 2 — Niat dalam Menuntut Ilmu
فَصْلٌ فِي النِّيَّةِ فِيْ حَالِ التَّعَلُّمِ
ثُمَّ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ النِّيَّةِ فِيْ زَمَانِ تَعَلُّمِ الْعِلْمِ، إِذِ النِّيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ فِيْ جَمِيْعِ الْأَفْعَالِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ.
[رُوِيَ] عَنْ رَسُوْلِ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ مِنْ عَمَلٍ يَتَصَوَّرُ بِصُوْرَةِ عَمَلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَصِيْرُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ، وَكَمْ مِنْ عَمَلٍ يَتَصَوَّرُ بِصُوْرَةِ عَمَلِ الْآخِرَةِ ثُمَّ يَصِيْرُ مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا بِسُوْءِ النِّيَّةِ.
وَيَنْبَغِيْ أَنْ يَنْوِيَ الْمُتَعَلِّمُ بِطَلَبِ الْعِلْمِ رِضَاءَ اللّٰهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَإِزَالَةَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ سَائِرِ الْجُهَّالِ، وَإِحْيَاءَ الدِّيْنِ وَإِبْقَاءَ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ بَقَاءَ الْإِسْلَامِ بِالْعِلْمِ، وَلَا يَصِحُّ الزُّهْدُ وَالتَّقْوَىٰ مَعَ الْجَهْلِ.
وَأَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ بُرْهَانُ الدِّيْنِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ لِبَعْضِهِمْ شِعْرًا:
فَسَادٌ كَبِيْرٌ عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ # وَأَكْبَرُ مِنْهُ جَاهِلٌ مُتَنَسِّكُ
هُمَا فِتْنَةٌ لِلْعَالَمِيْنَ عَظِيْمَةٌ # لِمَنْ بِهِمَا فِيْ دِيْنِهِ يَتَمَسَّكُ
وَيَنْوِيْ بِهِ: الشُّكْرَ عَلَىٰ نِعْمَةِ الْعَقْلِ، وَصِحَّةِ الْبَدَنِ, وَلَا يَنْوِيْ بِهِ إِقْبَالَ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَلَا اسْتِجْلَابَ حُطَامِ الدُّنْيَا، وَالْكَرَامَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِمَا: لَوْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَبِيْدِيْ لَأَعْتَقْتُهُمْ وَتَبَرَّأْتُ عَنْ وَلَائِهِمْ.
[وَذٰلِكَ لِأَنَّ] مَنْ وَجَدَ لَذَّةَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِهِ، قَلَّمَا يَرْغَبُ فِيْمَا عِنْدَ النَّاسِ. أَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ قِوَامُ الدِّيْنِ حَمَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيْمَ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الصَّفَّارُ الْأَنْصَارِيُّ إِمْلَاءً لِأَبِيْ حَنِيْفَةَ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِ:
مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلْمَعَادِ # فَازَ بِفَضْلٍ مِنَ الرَّشَادِ
فَيَا لَخُسْرَانِ طَالِبِيْهِ # لِنَيْلِ فَضْلٍ مِنَ الْعِبَادِ
اللّٰهُمَّ إِلَّا إِذَا طَلَبَ الْجَاهَ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَنْفِيْذِ الْحَقِّ، وَإِعْزَازِ الدِّيْنِ لَا لِنَفْسِهِ وَهَوَاهُ، فَيَجُوْزُ ذٰلِكَ بِقَدْرِ مَا يُقِيْمُ بِهِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَيَنْبَغِيْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ: أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيْ ذٰلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ بِجُهْدٍ كَثِيْرٍ، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الدُّنْيَا الْحَقِيْرَةِ الْقَلِيْلَةِ الْفَانِيَةِ. (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اِتَّقُوْا الدُّنْيَا، فَوَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهَا لَأَسْحَرُ مِنْ هَارُوْتَ وَمَارُوْتَ). شِعْرٌ:
هِيَ الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنَ الْقَلِيْلِ # وَعَاشِقُهَا أَذَلُّ مِنَ الذَّلِيْلِ
تَصُمُّ بِسِحْرِهَا قَوْمًا وَتُعْمِيْ # فَهُمْ مُتَحَيِّرُوْنَ بِلَا دَلِيْلِ
وَيَنْبَغِيْ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُذِلَّ نَفْسَهُ بِالطَّمَعِ فِيْ غَيْرِ الْمَطْمَعِ وَيَحْتَرِزَ عَمَّا فِيْهِ مَذَلَّةُ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ. وَيَكُوْنَ مُتَوَاضِعًا، وَالتَّوَاضُعُ بَيْنَ التَّكَبُّرِ وَالذِّلَّةِ، وَالْعِفَّةُ كَذٰلِكَ، وَيُعْرَفُ ذٰلِكَ فِيْ كِتَابِ الْأَخْلَاقِ
أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ رُكْنُ الدِّيْنِ الْمَعْرُوْفُ بِالْأَدِيْبِ الْمُخْتَارِ شِعْرًا لِنَفْسِهِ:
إِنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ خِصَالِ الْمُتَّقِيْ # وَبِهِ التَّقِيُّ إِلَى الْمَعَالِيْ يَرْتَقِيْ
وَمِنَ الْعَجَائِبِ عَجَبٌ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ # فِيْ حَالَةٍ أَهُوَ السَّعِيْدُ أَمِ الشَّقِيْ
أَمْ كَيْفَ يُخْتَمُ عُمْرُهُ أَوْ رُوْحُهُ # يَوْمَ النَّوَىٰ مُتَسَفِّلٌ أَوْ مُرْتَقِيْ
وَالْكِبْرِيَاءُ لِرَبِّنَا صِفَةٌ لَهُ # مَخْصُوْصَةٌ فَتَجَنَّبْهَا وَاتَّقِيْ
قَالَ أَبُوْ حَنِيْفَةَ رَحْمَةُ اللّٰهِ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ: عَظِّمُوْا عَمَائِمَكُمْ وَوَسِّعُوْا أَكْمَامَكُمْ. وَإِنَّمَا قَالَ ذٰلِكَ لِئَلَّا يُسْتَخَفَّ بِالْعِلْمِ وَأَهْلِهِ
وَيَنْبَغِيْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُحَصِّلَ كِتَابَ الْوَصِيَّةِ الَّتِيْ كَتَبَهَا أَبُوْ حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ لِيُوْسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ عِنْدَ الرُّجُوْعِ إِلَىٰ أَهْلِهِ، يَجِدُهُ مَنْ يَطْلُبُ الْعِلْمَ وَقَدْ كَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِيْ بَكْرٍ قَدَّسَ اللّٰهُ رُوْحَهُ الْعَزِيْزَ أَمَرَنِيْ بِكِتَابَتِهِ عِنْدَ الرُّجُوْعِ إِلَىٰ بَلَدِيْ فَكَتَبْتُهُ، وَلَا بُدَّ لِلْمُدَرِّسِ وَالْمُفْتِيْ فِيْ مُعَامَلَاتِ النَّاسِ مِنْهُ، وَبِاللّٰهِ التَّوْفِيْقُ.
Fasal 3 — Memilih Ilmu, Guru, Teman, dan Keteguhan
فَصْلٌ فِي اخْتِيَارِ الْعِلْمِ وَالْأُسْتَاذِ وَالشَّرِيكِ وَالثَّبَاتِ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ أَحْسَنَهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ فِي الْحَالِ، ثُمَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْمَآلِ.
وَيُقَدِّمُ عِلْمَ التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَيَعْرِفُ اللهَ تَعَالَى بِالدَّلِيلِ، فَإِنَّ إِيمَانَ الْمُقَلِّدِ ـ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَنَا ـ لَكِنْ يَكُونُ آثِمًا بِتَرْكِ الْإِسْتِدْلَالِ
وَيَخْتَارُ الْعَتِيقَ دُونَ الْمُحْدَثَاتِ، قَالُوا: عَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ وَإِيَّاكُمْ بِالْمُحْدَثَاتِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَشْتَغِلَ بِهَذَا الْجِدَالِ الَّذِي ظَهَرَ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْأَكَابِرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ يُبْعِدُ عَنِ الْفِقْهِ وَيُضَيِّعُ الْعُمْرَ وَيُورِثُ الْوَحْشَةَ وَالْعَدَاوَةَ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَارْتِفَاعِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، كَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ
أَمَّا اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْأَعْلَمَ وَالْأَوْرَعَ وَالْأَسَنَّ، كَمَا اخْتَارَ أَبُو حَنِيفَةَ، رَحِمَ اللهُ عَلَيْهِ، حَمَّادَ بْنَ سُلَيْمَانَ، بَعْدَ التَّأَمُّلِ وَالتَّفْكِيرِ،
قَالَ: وَجَدْتُهُ شَيْخًا وَقُورًا حَلِيمًا صَبُورًا فِي الْأُمُورِ. وَقَالَ: ثَبَتُّ عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَنَبَتُّ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: سَمِعْتُ حَكِيمًا مِنْ حُكَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ قَالَ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ شَاوَرَنِي فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَكَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى بُخَارَى لِطَلَبِ الْعِلْمِ
وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَرَ فِي كُلِّ أَمْرٍ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمُشَاوَرَةِ فِي الْأُمُورِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَفْطَنَ مِنْهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرَ بِالْمُشَاوَرَةِ، وَكَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ حَتَّى حَوَائِجِ الْبَيْتِ. قَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: مَا هَلَكَ امْرُؤٌ عَنْ مَشُورَةٍ
قِيلَ: [النَّاسُ] رَجُلٌ [تَامٌّ] وَنِصْفُ رَجُلٍ، وَلَا شَيْئَ فَالرَّجُلُ: مَنْ لَهُ رَأْيٌ صَائِبٌ وَيُشَاوِرُ الْعُقَلَاءَ، وَنِصْفُ رَجُلٍ: مَنْ لَهُ رَأْيٌ صَائِبٌ لَكِنْ لَا يُشَاوِرُ، أَوْ يُشَاوِرُ وَلَكِنْ لَا رَأْيَ لَهُ، وَلَا شَيْئَ: مَنْ لَا رَأْيَ لَهُ وَلَا يُشَاوِرُ. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: شَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللهَ تَعَالَى
فَطَلَبُ الْعِلْمِ مِنْ أَعْلَى الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا، فَكَانَتِ الْمُشَاوَرَةُ فِيهِ أَهَمَّ وَأَوْجَبَ.
قَالَ الْحَكِيمُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ: إِذَا ذَهَبْتَ إِلَى بُخَارَى فَلَا تَعْجَلْ فِي الْإِخْتِلَافِ إِلَى الْأَئِمَّةِ وَامْكُثْ شَهْرَيْنِ حَتَّى تَتَأَمَّلَ وَتَخْتَارَ أُسْتَاذًا، فَإِنَّكَ إِنْ ذَهَبْتَ إِلَى عَالِمٍ وَبَدَأْتَ بِالسَّبْقِ عِنْدَهُ فَرُبَّمَا لَا يُعْجِبُكَ دَرْسُهُ فَتَتْرُكُهُ فَتَذْهَبُ إِلَى آخَرَ، فَلَا يُبَارَكُ لَكَ فِي التَّعَلُّمِ. فَتَأَمَّلْ فِي شَهْرَيْنِ فِي اخْتِيَارِ الْأُسْتَاذِ، وَشَاوِرْ حَتَّى لَا تَحْتَاجَ إِلَى تَرْكِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ فَتَثْبُتَ عِنْدَهُ حَتَّى يَكُونَ تَعَلُّمُكَ مُبَارَكًا وَتَنْتَفِعَ بِعِلْمِكَ كَثِيرًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّبْرَ وَالثَّبَاتَ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَلَكِنَّهُ عَزِيزٌ، كَمَا قِيلَ:
لِكُلٍّ إِلَى شَأْوِ الْعُلَا حَرَكَاتُ # وَلَكِنْ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ عَمَّا تُرِيدُهُ نَفْسُهُ وَهَوَاهُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنَّ الْهَوَى لَهُوَ الْهَوَانُ بِعَيْنِهِ # وَصَرِيعُ كُلِّ هَوًى صَرِيعُ هَوَانِ
[قِيلَ]: الشَّجَاعَةُ صَبْرُ سَاعَةٍ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ وَيَصْبِرَ عَلَى أُسْتَاذٍ وَعَلَى كِتَابٍ حَتَّى لَا يَتْرُكَهُ أَبْتَرَ، وَعَلَى فَنٍّ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ بِفَنٍّ آخَرَ قَبْلَ أَنْ يُتْقِنَ الْأَوَّلَ، وَعَلَى بَلَدٍ حَتَّى لَا يَنْتَقِلَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُفَرِّقُ الْأُمُورَ وَيُشْغِلُ الْقُلُوبَ وَيُضَيِّعُ الْأَوْقَاتَ وَيُؤْذِي الْمُعَلِّمَ.
وَيَصْبِرَ عَلَى الْمِحَنِ وَالْبَلِيَّاتِ. قِيلَ: خَزَائِنُ الْمِنَنِ، عَلَى قَنَاطِيرِ الْمِحَنِ.
وَلَقَدْ أُنْشِدْتُ، وَقِيلَ إِنَّهُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ شِعْرًا:
أَلَا لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ # سَأُنْبِيكَ عَنْ مَجْمُوعِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاصْطِبَارٌ وَبُلْغَةٌ # وَإِرْشَادُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
وَأَمَّا اخْتِيَارُ الشَّرِيكِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْمُجِدَّ وَالْوَرِعَ وَصَاحِبَ الطَّبْعِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَفَهِّمَ، وَيَفِرَّ مِنَ الْكَسْلَانِ وَالْمُعَطِّلِ وَالْمِكْثَارِ وَالْمُفْسِدِ وَالْفَتَّانِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِينَهُ # فَإِنَّ الْقَرِينَ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي
فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً # وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي
وَأُنْشِدْتُ شِعْرًا آخَرَ:
لَا تَصْحَبِ الْكَسْلَانَ فِي حَالَتِهِ # كَمْ صَالِحٍ بِفَسَادِ آخَرَ يَفْسُدُ
عَدْوَى الْبَلِيدِ إِلَى الْجَلِيدِ سَرِيعَةٌ # كَالْجَمْرِ يُوضَعُ فِي الرَّمَادِ فَيَخْمَدُ
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ. الْحَدِيثُ
وَيُقَالُ فِي الْحِكْمَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ:
بَارِ بَدْ بَدْتَرْ بُودْ أَزْ مَارِ بَدْ # بِحَقِّ ذَاتِ بَاكِ اللهِ الصَّمَدْ
بَارِ بَدْ أَزَدْ تُرَا سُويْ حَجِيمْ # بَارِ نِيكُو كِيرْ نَابِيْ نَعِيمْ
وَقِيلَ:
إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ # أَوْ شَاهِدًا يُخْبِرُ عَنْ غَائِبِ
فَاعْتَبِرِ الْأَرْضَ بِأَسْمَائِهَا # وَاعْتَبِرِ الصَّاحِبَ بِالصَّاحِبِ
Fasal 4 — Mengagungkan Ilmu dan Ahlinya
فَصْلٌ فِي تَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ
اِعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ لَا يَنَالُ الْعِلْمَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وَتَعْظِيمِ الْأُسْتَاذِ وَتَوْقِيرِهِ.
قِيلَ: مَا وَصَلَ مَنْ وَصَلَ إِلَّا بِالْحُرْمَةِ، وَمَا سَقَطَ مَنْ سَقَطَ إِلَّا بِتَرْكِ الْحُرْمَةِ. وَقِيلَ: الْحُرْمَةُ خَيْرٌ مِنَ الطَّاعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكْفُرُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ بِاسْتِخْفَافِهَا، وَبِتَرْكِ الْحُرْمَةِ.
وَمِنْ تَعْظِيمِ الْعِلْمِ تَعْظِيمُ الْأُسْتَاذِ. قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَا عَبْدُ مَنْ عَلَّمَنِي حَرْفًا وَاحِدًا، إِنْ شَاءَ بَاعَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَرَقَّ.
وَقَدْ أُنْشِدْتُ فِي ذَلِكَ:
رَأَيْتُ أَحَقَّ الْحَقِّ حَقَّ الْمُعَلِّمِ # وَأَوْجَبَهُ حِفْظًا عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ
لَقَدْ حَقَّ أَنْ يُهْدَى إِلَيْهِ كَرَامَةً # لِتَعْلِيمِ حَرْفٍ وَاحِدٍ أَلْفَ دِرْهَمِ
فَإِنَّ مَنْ عَلَّمَكَ حَرْفًا وَاحِدًا مِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَبُوكَ فِي الدِّينِ.
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَدِيدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ يَقُولُ: قَالَ مَشَايِخُنَا: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ ابْنُهُ عَالِمًا يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ الْغُرَبَاءَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَيُكْرِمَهُمْ وَيُطْعِمَهُمْ وَيُعْطِيَهُمْ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ ابْنُهُ عَالِمًا يَكُونُ حَفِيدُهُ عَالِمًا.
وَمِنْ تَوْقِيرِ الْمُعَلِّمِ أَنْ لَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ، وَلَا يَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَلَا يَبْتَدِئَ بِالْكَلَامِ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يُكْثِرَ الْكَلَامَ عِنْدَهُ، وَلَا يَسْأَلَ شَيْئًا عِنْدَ مَلَالَتِهِ وَيُرَاعِيَ الْوَقْتَ، وَلَا يَدُقَّ الْبَابَ بَلْ يَصْبِرَ حَتَّى يَخْرُجَ الْأُسْتَاذُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يَطْلُبُ رِضَاهُ، وَيَجْتَنِبُ سَخَطَهُ، وَيَمْتَثِلُ أَمْرَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لِلْمَخْلُوقِ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ يَذْهَبُ دِينُهُ لِدُنْيَا بِمَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. وَمِنْ تَوْقِيرِهِ: تَوْقِيرُ أَوْلَادِهِ وَمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ حَكَى: أَنَّ وَاحِدًا مِنْ أَكَابِرِ الْأَئِمَّةِ بِبُخَارَى كَانَ يَجْلِسُ مَجْلِسَ الدَّرْسِ، وَكَانَ يَقُومُ فِي خِلَالِ الدَّرْسِ أَحْيَانًا فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أُسْتَاذِي يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فِي السِّكَّةِ، وَيَجِيءُ أَحْيَانًا إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ أَقُومُ لَهُ تَعْظِيمًا لِأُسْتَاذِي.
وَالْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْأَرْسَابَنْدِيُّ كَانَ رَئِيسَ الْأَئِمَّةِ فِي مَرْوَ وَكَانَ السُّلْطَانُ يَحْتَرِمُهُ غَايَةَ الْإِحْتِرَامِ وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا وُجِدْتُ بِهَذَا الْمَنْصِبِ بِخِدْمَةِ الْأُسْتَاذِ فَإِنِّي كُنْتُ أَخْدُمُ الْأُسْتَاذَ الْقَاضِيَ الْإِمَامَ أَبَا زَيْدٍ الدَّبُوسِيَّ وَكُنْتُ أَخْدُمُهُ وَأَطْبُخُ طَعَامَهُ [ثَلَاثِينَ سَنَةً] وَلَا آكُلُ مِنْهُ شَيْئًا.
وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ قَدْ خَرَجَ مِنْ بُخَارَى وَسَكَنَ فِي بَعْضِ الْقُرَى أَيَّامًا لِحَادِثَةٍ وَقَعَتْ لَهُ وَقَدْ زَارَهُ تَلَامِيذُهُ غَيْرَ الشَّيْخِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْقَاضِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّرَنْجَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ حِينَ لَقِيَهُ: لِمَاذَا لَمْ تَزُرْنِي؟ قَالَ: كُنْتُ مَشْغُولًا بِخِدْمَةِ الْوَالِدَةِ. قَالَ: تُرْزَقُ الْعُمْرَ، لَا تُرْزَقُ رَوْنَقَ الدَّرْسِ، وَكَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسْكُنُ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ فِي الْقُرَى وَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُ الدَّرْسُ
فَمَنْ تَأَذَّى مِنْهُ أُسْتَاذُهُ يُحْرَمُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِالْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
[إِنَّ الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا # لَا يَنْصَحَانِ إِذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا]
[فَاصْبِرْ لِدَائِكَ إِنْ جَفَوْتَ طَبِيبَهُ # وَاقْنَعْ بِجَهْلِكَ إِنْ جَفَوْتَ مُعَلِّمَا]
حُكِيَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ هَارُونَ الرَّشِيدَ بَعَثَ ابْنَهُ إِلَى الْأَصْمَعِيِّ لِيُعَلِّمَهُ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ فَرَآهُ يَوْمًا يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَهُ، وَابْنُ الْخَلِيفَةِ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رِجْلِهِ، فَعُوتِبَ الْأَصْمَعِيُّ [فِي ذَلِكَ] بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتُعَلِّمَهُ وَتُؤَدِّبَهُ فَلِمَاذَا لَمْ تَأْمُرْهُ بِأَنْ يَصُبَّ الْمَاءَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَيَغْسِلَ بِالْأُخْرَى رِجْلَكَ؟
وَمِنْ تَعْظِيمِ الْعِلْمِ: تَعْظِيمُ الْكِتَابِ، فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْكِتَابَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ. وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا نِلْتُ هَذَا الْعِلْمَ بِالتَّعْظِيمِ، فَإِنِّي مَا أَخَذْتُ الْكَاغِدَ إِلَّا بِطَهَارَةٍ. وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ كَانَ مَبْطُونًا فِي لَيْلَةٍ، وَكَانَ يُكَرِّرُ، وَتَوَضَّأَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُكَرِّرُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ وَالْوُضُوءُ نُورٌ فَيَزْدَادُ نُورُ الْعِلْمِ بِهِ.
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يَحْكِي عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْمَشَايِخِ: أَنَّ فَقِيهًا كَانَ وَضَعَ الْمِحْبَرَةَ عَلَى الْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ [بِالْفَارِسِيَّةِ]: بَرْنَيَايِي
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الْقَاضِي الْإِمَامُ الْأَجَلُّ فَخْرُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ بِقَاضِي خَانَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْإِسْتِخْفَافَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهُ.
وَمِنَ التَّعْظِيمِ: أَنْ يُجَوِّدَ كِتَابَةَ الْكِتَابِ وَلَا يُقَرْمِطَ وَيَتْرُكَ الْحَاشِيَةَ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كِتَابًا يُقَرْمِطُ فِي الْكِتَابَةِ فَقَالَ: لَا تُقَرْمِطْ خَطَّكَ، إِنْ عِشْتَ تَنْدَمْ وَإِنْ مِتَّ تُشْتَمْ. يَعْنِي إِذَا شِخْتَ وَضَعُفَ نُورُ بَصَرِكَ نَدِمْتَ عَلَى ذَلِكَ.
وَحُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ مَجْدِ الدِّينِ الصَّرْخَكِيِّ، حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ: مَا قَرْمَطْنَا نَدِمْنَا، وَمَا انْتَخَبْنَا نَدِمْنَا، وَمَا لَمْ نُقَابِلْ نَدِمْنَا
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَقْطِيعُ الْكِتَابِ مُرَبَّعًا، فَإِنَّهُ تَقْطِيعُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ أَيْسَرُ عَلَى الرَّفْعِ وَالْوَضْعِ وَالْمُطَالَعَةِ
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْكِتَابَةِ شَيْءٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ صَنِيعِ الْفَلَاسِفَةِ لَا صَنِيعِ السَّلَفِ، وَمِنْ مَشَايِخِنَا كَرِهُوا اسْتِعْمَالَ الْمُرَكَّبِ الْأَحْمَرِ.
وَمِنْ تَعْظِيمِ الْعِلْمِ: تَعْظِيمُ الشُّرَكَاءِ [فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالدَّرْسِ] وَمَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ. وَالتَّمَلُّقُ مَذْمُومٌ إِلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَلَّقَ لِأُسْتَاذِهِ وَشُرَكَائِهِ لِيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْتَمِعَ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ بِالتَّعْظِيمِ وَالْحُرْمَةِ، وَإِنْ سَمِعَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً أَوْ حِكْمَةً وَاحِدَةً أَلْفَ مَرَّةٍ. وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ تَعْظِيمُهُ بَعْدَ أَلْفِ مَرَّةٍ كَتَعْظِيمِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ فَلَيْسَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ.
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَخْتَارَ نَوْعَ الْعِلْمِ بِنَفْسِهِ، بَلْ يُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى الْأُسْتَاذِ، فَإِنَّ الْأُسْتَاذَ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّجَارِبُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ أَعْرَفَ بِمَا يَنْبَغِي لِكُلِّ وَاحِدٍ وَمَا يَلِيقُ بِطَبِيعَتِهِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ بُرْهَانُ الْحَقِّ وَالدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ:
كَانَ طَلَبَةُ الْعِلْمِ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يُفَوِّضُونَ أَمْرَهُمْ فِي التَّعَلُّمِ إِلَى أَسَاتِذَتِهِمْ، وَكَانُوا يَصِلُونَ إِلَى مَقْصُودِهِمْ وَمُرَادِهِمْ، وَالْآنَ يَخْتَارُونَ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ.
وَكَانَ يَحْكِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى كَانَ بَدَأَ بِكِتَابَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: إِذْهَبْ وَتَعَلَّمَ عِلْمَ الْحَدِيثِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ أَلْيَقُ بِطَبْعِهِ، فَطَلَبَ عِلْمَ الْحَدِيثِ فَصَارَ فِيهِ مُقَدَّمًا عَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَجْلِسَ قَرِيبًا مِنَ الْأُسْتَاذِ عِنْدَ السَّبْقِ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُسْتَاذِ قَدْرَ الْقَوْسِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّعْظِيمِ.
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ، فَإِنَّهَا كِلَابٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ أَوْ صُورَةٌ. وَإِنَّمَا يَتَعَلَّمُ الْإِنْسَانُ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ.
وَالْأَخْلَاقُ الذَّمِيمَةُ تُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْأَخْلَاقِ وَكِتَابُنَا هَذَا لَا يَحْتَمِلُ بَيَانَهَا.
[وَلْيَحْتَرِزْ] خُصُوصًا عَنِ التَّكَبُّرِ وَمَعَ التَّكَبُّرِ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ.
قِيلَ: الْعِلْمُ حَرْبٌ [لِلْفَتَى] الْمُتَعَالِي # كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ الْعَالِي
قِيلَ: بِجِدٍّ لَا بِجَدٍّ كُلُّ مَجْدٍ # فَهَلْ جِدٌّ بِلَا جَدٍّ بِمُجْدِي
فَكَمْ مِنْ عَبْدٍ يَقُومُ مَقَامَ حُرٍّ # وَكَمْ حُرٍّ يَقُومُ مَقَامَ عَبْدِ
Fasal 5 — Kesungguhan, Ketekunan, dan Cita-cita Tinggi
فَصْلٌ فِي الْجِدِّ وَالْمُوَاظَبَةِ وَالْهِمَّةِ
ثُمَّ لَا بُدَّ مِنَ الْجِدِّ وَالْمُوَاظَبَةِ وَالْمُلَازَمَةِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا
وَقِيلَ: مَنْ طَلَبَ شَيْئًا وَجَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ قَرَعَ الْبَابَ وَلَجَّ وَلَجَ. وَقِيلَ: بِقَدْرِ مَا تَتَعَنَّى تَنَالُ مَا تَتَمَنَّى.
وَقِيلَ: يُحْتَاجُ فِي التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ إِلَى جِدِّ ثَلَاثَةٍ: الْمُتَعَلِّمِ، وَالْأُسْتَاذِ، وَالْأَبِ، إِنْ كَانَ فِي الْأَحْيَاءِ
أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ سَدِيدُ الدِّينِ الشِّيرَازِيُّ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللهُ:
اَلْجِدُّ يُدْنِي كُلَّ أَمْرٍ شَاسِعٍ # وَالْجِدُّ يَفْتَحُ كُلَّ بَابٍ مُغْلَقِ
وَأَحَقُّ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى بِالْهَمِّ امْرُؤٌ # ذُو هِمَّةٍ يُبْلَى بِعَيْشٍ ضَيِّقِ
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى الْقَضَاءِ وَحُكْمِهِ # بُؤْسُ اللَّبِيبِ وَطِيبُ عَيْشِ الْأَحْمَقِ
لَكِنْ مَنْ رُزِقَ الْحِجَا حُرِمَ الْغِنَى # ضِدَّانِ يَفْتَرِقَانِ أَيَّ تَفَرُّقِ
وَأُنْشِدْتُ لِغَيْرِهِ:
تَمَنَّيْتُ أَنْ تُمْسِيَ فَقِيهًا مُنَاظِرًا # بِغَيْرِ عَنَاءٍ وَالْجُنُونُ فُنُونُ
وَلَيْسَ اكْتِسَابُ الْمَالِ دُونَ مَشَقَّةٍ # تَحَمَّلُهَا فَالْعِلْمُ كَيْفَ يَكُونُ؟
قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي:
وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا # كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ سَهَرِ اللَّيَالِي كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي # وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي
تَرُومُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلًا # يَغُوصُ فِي الْبَحْرِ مَنْ طَلَبَ اللَّآلِي
عُلُوُّ الْكَعْبِ بِالْهِمَمِ الْعَوَالِي # وَعِزُّ الْمَرْءِ فِي سَهَرِ اللَّيَالِي
تَرَكْتُ النَّوْمَ رَبِّي فِي اللَّيَالِي # لِأَجْلِ رِضَاكَ يَا مَوْلَى الْمَوَالِي
وَمَنْ رَامَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ # أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ
فَوَفِّقْنِي إِلَى تَحْصِيلِ عِلْمٍ # وَبَلِّغْنِي إِلَى أَقْصَى الْمَعَالِي
قِيلَ: اِتَّخِذِ اللَّيْلَ جَمَلًا تُدْرِكْ بِهِ أَمَلًا
قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَدِ اتَّفَقَ لِي نَظْمٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا:
مَنْ شَاءَ أَنْ يَحْتَوِيَ آمَالَهُ جُمَلًا # فَلْيَتَّخِذْ لَيْلَهُ فِي دَرْكِهَا جَمَلًا
أَقْلِلْ طَعَامَكَ كَيْ تَحْظَى بِهِ سَهَرًا # إِنْ شِئْتَ يَا صَاحِبِي أَنْ تَبْلُغَ الْكَمَلَا
وَقِيلَ: مَنْ أَسْهَرَ نَفْسَهُ بِاللَّيْلِ، فَقَدْ فَرِحَ قَلْبُهُ بِالنَّهَارِ.
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الدَّرْسِ وَالتَّكْرَارِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ، وَوَقْتَ السَّحَرِ، وَقْتٌ مُبَارَكٌ.
قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ بَاشِرِ الْوَرَعَا # وَجَانِبِ النَّوْمَ وَاتْرُكِ الشَّبَعَا
وَدَاوِمْ عَلَى الدَّرْسِ لَا تُفَارِقْهُ # فَإِنَّ الْعِلْمَ بِالدَّرْسِ قَامَ وَارْتَفَعَا
فَيَغْتَنِمْ أَيَّامَ الْحَدَاثَةِ وَعُنْفُوَانَ الشَّبَابِ، كَمَا قِيلَ:
بِقَدْرِ الْكَدِّ تُعْطَى مَا تَرُومُ # فَمَنْ رَامَ الْمُنَى لَيْلًا يَقُومُ
وَأَيَّامَ الْحَدَاثَةِ فَاغْتَنِمْهَا # أَلَا إِنَّ الْحَدَاثَةَ لَا تَدُومُ
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَا إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ نَفْسَكَ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى.
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: نَفْسُكَ مَطِيَّتُكَ فَارْفُقْ بِهَا
فَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ الْهِمَّةِ الْعَالِيَةِ فِي الْعَمَلِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يَطِيرُ بِهِمَّتِهِ كَالطَّيْرِ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ رَحِمَهُ اللهُ:
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ # وَتَأْتِي عَلَى قَدْرِ الْكِرَامِ الْمَكَارِمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا # وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيمِ الْعَظَائِمُ
وَالرُّكْنُ فِي تَحْصِيلِ الْأَشْيَاءِ الْجِدُّ وَالْهِمَّةُ الْعَالِيَةُ، فَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ حِفْظَ جَمِيعِ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَاقْتَرَنَ بِذَلِكَ الْجِدُّ وَالْمُوَاظَبَةُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحْفَظُ أَكْثَرَهَا أَوْ نِصْفَهَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ جِدٌّ، أَوْ كَانَ لَهُ جِدٌّ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ لَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ إِلَّا قَلِيلًا.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الْأُسْتَاذُ رَضِيُّ الدِّينِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ لِيَسْتَوْلِيَ عَلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، شَاوَرَ الْحُكَمَاءَ وَقَالَ: كَيْفَ أُسَافِرُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْمُلْكِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ، وَمُلْكَ الدُّنْيَا أَمْرٌ حَقِيرٌ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ عُلُوِّ الْهِمَّةِ.

فَقَالَ الْحُكَمَاءُ: سَافِرْ لِيَحْصُلَ لَكَ مُلْكُ الدِّينِ وَالْآخِرَةِ. فَقَالَ: هَذَا أَحْسَنُ.
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا.
وَقِيلَ: فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمْهُ # فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ
قِيلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِأَبِي يُوسُفَ: كُنْتَ بَلِيدًا أَخْرَجَتْكَ الْمُوَاظَبَةُ، وَإِيَّاكَ وَالْكَسَلَ فَإِنَّهُ شُؤْمٌ وَآفَةٌ عَظِيمَةٌ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ الصَّفَّارُ الْأَنْصَارِيُّ:
يَا نَفْسُ يَا نَفْسُ لَا تَرْخِي عَنِ الْعَمَلِ # فِي الْبِرِّ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فِي مَهَلِ
فَكُلُّ ذِي عَمَلٍ فِي الْخَيْرِ مُغْتَبَطٌ # وَفِي بَلَاءٍ وَشُؤْمٍ كُلُّ ذِي كَسَلِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدِ اتَّفَقَ لِي فِي هَذَا الْمَعْنَى شِعْرٌ:
دَعِي نَفْسِي التَّكَاسُلَ وَالتَّوَانِي # وَإِلَّا فَاثْبُتِي فِي ذَا الْهَوَانِ
فَلَمْ أَرَ لِلْكُسَالَى الْحَظَّ [يُعْطَى] # سِوَى نَدَمٍ وَحِرْمَانِ الْأَمَانِي
وَقِيلَ: كَمْ مِنْ حَيَاءٍ وَكَمْ عَجْزٍ وَكَمْ نَدَمٍ # جَمٌّ تَوَلَّدَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ كَسَلِ
[إِيَّاكَ عَنْ كَسَلٍ فِي الْبَحْثِ عَنْ شُبَهٍ # فَمَا عَلِمْتَ وَمَا قَدْ شَذَّ عَنْكَ سَلِ]
وَقَدْ قِيلَ: الْكَسَلُ مِنْ قِلَّةِ التَّأَمُّلِ فِي مَنَاقِبِ الْعِلْمِ وَفَضَائِلِهِ،
فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْعِبَ نَفْسَهُ عَلَى التَّحْصِيلِ وَالْجِدِّ وَالْمُوَاظَبَةِ بِالتَّأَمُّلِ فِي فَضَائِلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى [بِبَقَاءِ الْمَعْلُومَاتِ] وَالْمَالَ يَفْنَى، كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا # لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ # وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ
وَالْعِلْمُ النَّافِعُ يَحْصُلُ بِهِ حُسْنُ الذِّكْرِ وَيَبْقَى ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنَّهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ.
وَأَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ ظَهِيرُ الدِّينِ مُفْتِي الْأَئِمَّةِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِالْمَرْغِينَانِيِّ:
اَلْجَاهِلُونَ مَوْتَى قَبْلَ مَوْتِهِمْ # وَالْعَالِمُونَ وَإِنْ مَاتُوا فَأَحْيَاءُ
وَأَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ:
وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ # فَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ
وَإِنِ امْرُؤٌ لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ # فَلَيْسَ لَهُ حِينَ النُّشُورِ نُشُورُ
وَأَنْشَدَنِي أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ شِعْرًا:
ذُو الْعِلْمِ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الْمَرَاتِبِ # وَمَنْ دُونَهُ عِزُّ الْعُلَى فِي الْمَوَاكِبِ
فَذُو الْعِلْمِ يَبْقَى عِزُّهُ مُتَضَاعِفًا # وَذُو الْجَهْلِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي التَّرَائِبِ
فَهَيْهَاتَ لَا يَرْجُو مَدَاهُ مَنِ ارْتَقَى # رُقًى وَلِيَ الْمُلْكَ وَالَى الْكَتَائِبَ
سَأُمْلِي عَلَيْكُمْ بَعْضَ مَا فِيهِ فَاسْمَعُوا # فَبِي حَصْرٌ عَنْ ذِكْرِ كُلِّ الْمَنَاقِبِ
هُوَ النُّورُ كُلُّ النُّورِ يَهْدِي عَنِ الْعَمَى # وَذُو الْجَهْلِ مَرَّ الدَّهْرَ بَيْنَ الْغَيَاهِبِ
هُوَ الذُّرْوَةُ الشَّمَّاءُ تَحْمِي مَنِ الْتَجَا # إِلَيْهَا وَيَمْشِي آمِنًا فِي النَّوَائِبِ
بِهِ يُنَجَّى وَالنَّاسُ فِي غَفَلَاتِهِمْ # بِهِ يُرْتَجَى وَالرُّوحُ بَيْنَ التَّرَائِبِ
بِهِ يُشَفَّعُ الْإِنْسَانُ مَنْ رَاحَ عَاصِيًا # إِلَى دَرَكِ النِّيرَانِ شَرِّ الْعَوَاقِبِ
فَمَنْ رَامَهُ رَامَ الْمَآرِبَ كُلَّهَا # وَمَنْ حَازَهُ قَدْ حَازَ كُلَّ الْمَطَالِبِ
هُوَ الْمَنْصِبُ الْعَالِي يَا صَاحِبَ الْحِجَا # إِذَا نِلْتَهُ هَوِّنْ بِفَوْتِ الْمَنَاصِبِ
فَإِنْ فَاتَتْكَ الدُّنْيَا وَطِيبُ نَعِيمِهَا # [فَغَمِّضْ] فَإِنَّ الْعِلْمَ خَيْرُ الْمَوَاهِبِ
وَقِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
إِذَا مَا اعْتَزَّ ذُو عِلْمٍ بِعِلْمٍ # فَعِلْمُ الْفِقْهِ أَوْلَى بِاعْتِزَازِ
فَكَمْ طِيبٍ يَفُوحُ وَلَا كَمِسْكٍ # وَكَمْ طَيْرٍ يَطِيرُ وَلَا كَبَازِي
[وَقَالَ غَيْرُهُ]:
أَخُو الْعِلْمِ حَيٌّ خَالِدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ # وَأَوْصَالُهُ تَحْتَ التُّرَابِ رَمِيمُ
وَذُو الْجَهْلِ مَيِّتٌ وَهُوَ يَمْشِي عَلَى الثَّرَى # يَظْهَرُ مِنَ الْأَحْيَاءِ وَهُوَ عَدِيمُ
وَأُنْشِدْتُ أَيْضًا لِبَعْضِهِمْ:
اَلْفِقْهُ أَنْفَسُ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ ذَاخِرُهُ # مَنْ يَدْرُسِ الْعِلْمَ لَمْ تُدْرَسْ مَفَاخِرُهُ
فَاكْسِبْ لِنَفْسِكَ مَا أَصْبَحْتَ تَجْهَلُهُ # فَأَوَّلُ الْعِلْمِ إِقْبَالٌ وَآخِرُهُ
وَكَفَى بِلَذَّةِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْفَهْمِ دَاعِيًا وَبَاعِثًا لِلْعَاقِلِ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ.
وَقَدْ يَتَوَلَّدُ الْكَسَلُ مِنْ كَثْرَةِ الْبَلْغَمِ وَالرُّطُوبَاتِ،
وَطَرِيقُ تَقْلِيلِهِ، تَقْلِيلُ الطَّعَامِ. قِيلَ: اِتَّفَقَ سَبْعُونَ طَبِيبًا عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ كَثْرَةِ الْبَلْغَمِ، وَكَثْرَةَ الْبَلْغَمِ مِنْ كَثْرَةِ شُرْبِ الْمَاءِ، وَكَثْرَةَ شُرْبِ الْمَاءِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ،
وَالْخُبْزُ الْيَابِسُ يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الزَّبِيبِ عَلَى الرِّيقِ، وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ، حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إِلَى شُرْبِ الْمَاءِ فَيَزِيدَ الْبَلْغَمُ.
وَالسِّوَاكُ يُقَلِّلُ الْبَلْغَمَ، وَيَزِيدُ الْحِفْظَ وَالْفَصَاحَةَ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ سَنِيَّةٌ، تَزِيدُ فِي ثَوَابِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ،
وَكَذَا الْقَيْءُ يُقَلِّلُ الْبَلْغَمَ وَالرُّطُوبَاتِ
وَطَرِيقُ تَقْلِيلِ الْأَكْلِ التَّأَمُّلُ فِي مَنَافِعِ قِلَّةِ الْأَكْلِ هِيَ: الصِّحَّةُ وَالْعِفَّةُ وَالْإِيثَارُ. وَقِيلَ فِيهِ شِعْرٌ:
فَعَارٌ ثُمَّ عَارٌ ثُمَّ عَارٌ # شَقَاءُ الْمَرْءِ مِنْ أَجْلِ الطَّعَامِ
وَعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللهُ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ: الْأَكُولُ وَالْبَخِيلُ وَالْمُتَكَبِّرُ
وَتَأَمَّلْ فِي مَضَارِّ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَهِيَ: الْأَمْرَاضُ وَكَلَالَةُ الطَّبْعِ، وَقِيلَ: الْبِطْنَةُ تُذْهِبُ الْفِطْنَةَ.
حُكِيَ عَنْ جَالِينُوسَ أَنَّهُ قَالَ: الرُّمَّانُ نَفْعٌ كُلُّهُ، وَالسَّمَكُ ضَرَرٌ كُلُّهُ، وَقَلِيلُ السَّمَكِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الرُّمَّانِ.
وَفِيهِ أَيْضًا: إِتْلَافُ الْمَالِ، وَالْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَيَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ وَدَارَ الْآخِرَةِ، وَالْأَكُولُ بَغِيضٌ فِي الْقُلُوبِ.
وَطَرِيقُ تَقْلِيلِ الْأَكْلِ: أَنْ يَأْكُلَ الْأَطْعِمَةَ الدَّسِمَةَ وَيُقَدِّمَ فِي الْأَكْلِ الْأَلْطَفَ وَالْأَشْهَى، وَلَا يَأْكُلَ مَعَ الْجَائِعِ إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ غَرَضٌ صَحِيحٌ، بِأَنْ يَتَقَوَّى بِهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ.
Fasal 6 — Permulaan Pelajaran, Kadar, dan Urutannya
فَصْلٌ فِي بِدَايَةِ السَّبْقِ وَقَدْرِهِ وَتَرْتِيبِهِ
كَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ يُوَقِّفُ بِدَايَةَ السَّبْقِ عَلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ يَرْوِي فِي ذَلِكَ حَدِيثًا وَيَسْتَدِلُّ بِهِ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ شَيْءٍ بُدِئَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ إِلَّا وَقَدْ تَمَّ
وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ أَبِي، وَكَانَ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أُسْتَاذِهِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَجَلِّ قِوَامِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّشِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ
وَسَمِعْتُ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ، أَنَّ الشَّيْخَ يُوسُفَ الْهَمَذَانِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ يُوَقِّفُ كُلَّ عَمَلٍ مِنَ الْخَيْرِ عَلَى يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ
وَهَذَا لِأَنَّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمٌ خُلِقَ فِيهِ النُّورُ، وَهُوَ يَوْمُ نَحْسٍ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَيَكُونُ مُبَارَكًا لِلْمُؤْمِنِينَ
وَأَمَّا قَدْرُ السَّبْقِ فِي الِابْتِدَاءِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي عَنِ الشَّيْخِ الْقَاضِي الْإِمَامِ عُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الزَّرْنُوجِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَدْرُ السَّبْقِ لِلْمُبْتَدِئِ قَدْرَ مَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالْإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ بِالرِّفْقِ وَيَزِيدُ كُلَّ يَوْمٍ كَلِمَةً حَتَّى أَنَّهُ وَإِنْ طَالَ وَكَثُرَ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالْإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَزِيدُ بِالرِّفْقِ وَالتَّدْرِيجِ، وَأَمَّا إِذَا طَالَ السَّبْقُ فِي الِابْتِدَاءِ وَاحْتَاجَ إِلَى الْإِعَادَةِ عَشْرَ مَرَّاتٍ فَهُوَ فِي الِانْتِهَاءِ أَيْضًا يَكُونُ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَعْتَادُ ذَلِكَ، وَلَا يَتْرُكُ تِلْكَ الْإِعَادَةَ إِلَّا بِجُهْدٍ كَثِيرٍ
وَقَدْ قِيلَ: السَّبْقُ حَرْفٌ، وَالتَّكْرَارُ أَلْفٌ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِشَيْءٍ يَكُونُ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِهِ، وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأُسْتَاذُ شَرَفُ الدِّينِ الْعَقِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: الصَّوَابُ عِنْدِي فِي هَذَا مَا فَعَلَهُ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَخْتَارُونَ لِلْمُبْتَدِئِ صِغَارَاتِ الْمَبْسُوطِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْفَهْمِ وَالضَّبْطِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الْمَلَالَةِ، وَأَكْثَرُ وُقُوعًا بَيْنَ النَّاسِ
وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّقَ السَّبْقَ بَعْدَ الضَّبْطِ وَالْإِعَادَةِ كَثِيرًا، فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدًّا
وَلَا يَكْتُبُ الْمُتَعَلِّمُ شَيْئًا لَا يَفْهَمُهُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ كَلَالَةَ الطَّبْعِ وَيُذْهِبُ الْفِطْنَةَ وَيُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْفَهْمِ عَنِ الْأُسْتَاذِ بِالتَّأَمُّلِ وَبِالتَّفَكُّرِ وَكَثْرَةِ التَّكْرَارِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَلَّ السَّبْقُ وَكَثُرَ التَّكْرَارُ وَالتَّأَمُّلُ يُدْرِكُ وَيَفْهَمُ. قِيلَ: حِفْظُ حَرْفَيْنِ، خَيْرٌ مِنْ سَمَاعٍ وَقَرِينٍ، وَفَهْمُ حَرْفَيْنِ خَيْرٌ مِنْ حِفْظِ سَطْرَيْنِ. وَإِذَا تَهَاوَنَ فِي الْفَهْمِ وَلَمْ يَجْتَهِدْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ يَعْتَادُ ذَلِكَ فَلَا يَفْهَمُ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَهَاوَنَ فِي الْفَهْمِ بَلْ يَجْتَهِدُ وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ، وَلَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ. وَأَنْشَدَنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ قِوَامُ الدِّينِ حَمَّادُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارُ الْأَنْصَارِيُّ إِمْلَاءً لِلْقَاضِي الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ الشَّجَرِيِّ فِي ذَلِكَ شِعْرًا:
أُخْدُمِ الْعِلْمَ خِدْمَةَ الْمُسْتَفِيدِ # وَأَدِمْ دَرْسَهُ بِفِعْلٍ حَمِيدِ
وَإِذَا مَا حَفِظْتَ شَيْئًا أَعِدْهُ # ثُمَّ أَكِّدْهُ غَايَةَ التَّأْكِيدِ
كَيْ لَا يَزُولَ ثُمَّ عَلِّقْهُ كَيْ تَعُودَ # إِلَيْهِ وَإِلَى دَرْسِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ
فَإِذَا مَا أَمِنْتَ مِنْهُ فَوَاتًا # فَانْتَدِبْ بَعْدَهُ لِشَيْءٍ جَدِيدِ
مَعَ تَكْرَارِ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ # وَاقْتِنَاءٍ لِشَأْنِ هَذَا الْمَزِيدِ
ذَاكِرِ النَّاسَ بِالْعُلُومِ لِتَحْيَا # لَا تَكُنْ مِنْ أُولِي النُّهَى بِبَعِيدِ
إِذَا كَتَمْتَ الْعُلُومَ أُنْسِيتَ حَتَّى # لَا تَرَى غَيْرَ جَاهِلٍ وَبَلِيدِ
ثُمَّ أُلْجِمْتَ فِي الْقِيَامَةِ نَارًا # وَتَلَهَّبْتَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُذَاكَرَةِ، وَالْمُنَاظَرَةِ، وَالْمُطَارَحَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا بِالْإِنْصَافِ وَالتَّأَنِّي وَالتَّأَمُّلِ، وَيَتَحَرَّزُ عَنِ الشَّغَبِ [وَالْغَضَبِ]، فَإِنَّ الْمُنَاظَرَةَ وَالْمُذَاكَرَةَ مُشَاوَرَةٌ، وَالْمُشَاوَرَةُ إِنَّمَا تَكُونُ لِاسْتِخْرَاجِ الصَّوَابِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّأَنِّي وَالْإِنْصَافِ، وَلَا يَحْصُلُ بِالْغَضَبِ وَالشَّغَبِ
فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ مِنَ الْمُبَاحَثَةِ إِلْزَامَ الْخَصْمِ وَقَهْرَهُ، فَلَا تَحِلُّ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ الْحَقِّ. وَالتَّمْوِيهُ وَالْحِيلَةُ لَا يَجُوزُ فِيهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ الْخَصْمُ مُتَعَنِّتًا، لَا طَالِبًا لِلْحَقِّ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إِذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ وَلَمْ يَحْضُرْهُ الْجَوَابُ يَقُولُ: مَا أَلْزَمْتُهُ لَازِمٌ، وَأَنَا فِيهِ نَاظِرٌ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
وَفَائِدَةُ الْمُطَارَحَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ أَقْوَى مِنْ فَائِدَةِ مُجَرَّدِ التَّكْرَارِ لِأَنَّ فِيهِ تَكْرَارًا وَزِيَادَةً. وَقِيلَ: مُطَارَحَةُ سَاعَةٍ، خَيْرٌ مِنْ تَكْرَارِ شَهْرٍ. لَكِنْ إِذَا كَانَ [مَعَ] مُنْصِفٍ سَلِيمِ الطَّبِيعَةِ. وَإِيَّاكَ وَالْمُذَاكَرَةَ مَعَ مُتَعَنِّتٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمِ الطَّبْعِ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ مُتَسَرِّيَةٌ، وَالْأَخْلَاقَ مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْمُجَاوَرَةَ مُؤَثِّرَةٌ
وَفِي الشِّعْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، قِيلَ:
الْعِلْمُ مِنْ شَرْطِهِ لِمَنْ خَدَمَهُ # أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَدَمَهُ
وَيَكُونُ مُسْتَفِيدًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ أَيْنَمَا وَجَدَهَا أَخَذَهَا. وَقِيلَ: خُذْ مَا صَفَا، وَدَعْ مَا كَدَرَ. وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ الْإِمَامَ الْأَجَلَّ الْأُسْتَاذَ فَخْرَ الدِّينِ الْكَاشَانِيَّ يَقُولُ: كَانَتْ جَارِيَةُ أَبِي يُوسُفَ أَمَانَةً عِنْدَ مُحَمَّدٍ [بْنِ الْحَسَنِ] فَقَالَ لَهَا: هَلْ تَحْفَظِينَ أَنْتِ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْفِقْهِ شَيْئًا؟ فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُكَرِّرُ وَيَقُولُ: سَهْمُ الدَّوْرِ سَاقِطٌ، فَحَفِظَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً عَلَى مُحَمَّدٍ فَارْتَفَعَ إِشْكَالُهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ. فَعُلِمَ أَنَّ الِاسْتِفَادَةَ مُمْكِنَةٌ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَمِّلًا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فِي دَقَائِقِ الْعُلُومِ وَيَعْتَادُ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا تُدْرَكُ الدَّقَائِقُ بِالتَّأَمُّلِ، فَلِهَذَا قِيلَ: تَأَمَّلْ تُدْرِكْ
وَلَا بُدَّ مِنَ التَّأَمُّلِ قَبْلَ الْكَلَامِ حَتَّى يَكُونَ صَوَابًا، فَإِنَّ الْكَلَامَ كَالسَّهْمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْوِيمِهِ قَبْلَ الْكَلَامِ حَتَّى يَكُونَ مُصِيبًا. وَقَالَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: هَذَا أَصْلٌ كَبِيرٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الْفَقِيهِ الْمُنَاظِرِ بِالتَّأَمُّلِ
قِيلَ: رَأْسُ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِالتَّثَبُّتِ وَالتَّأَمُّلِ
قَالَ قَائِلٌ شِعْرًا:
أُوصِيكَ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ بِخَمْسَةٍ # إِنْ كُنْتَ لِلْمُوصِي الشَّفِيقِ مُطِيعًا
لَا تُغْفِلَنَّ سَبَبَ الْكَلَامِ وَوَقْتَهُ # وَالْكَيْفَ وَالْكَمَّ وَالْمَكَانَ جَمِيعًا
وَلِهَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ حِينَ قِيلَ: بِمَ أَدْرَكْتَ الْعِلْمَ؟ قَالَ: مَا اسْتَنْكَفْتُ مِنَ الِاسْتِفَادَةِ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَمَا بَخِلْتُ مِنَ الْإِفَادَةِ. وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِمَ أَدْرَكْتَ الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ
وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَالِبُ الْعِلْمِ: مَا تَقُولُ، لِكَثْرَةِ مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ. مَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟
وَإِنَّمَا تَفَقَّهَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِكَثْرَةِ الْمُطَارَحَةِ وَالْمُذَاكَرَةِ فِي دُكَّانِهِ حِينَ كَانَ بَزَّازًا. فَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَجْتَمِعُ مَعَ الْكَسْبِ. وَكَانَ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ يَكْتَسِبُ وَيُكَرِّرُ الْعُلُومَ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ الْكَسْبِ لِنَفَقَةِ الْعِيَالِ وَغَيْرِهِ فَلْيَكْتَسِبْ وَلْيُكَرِّرْ وَلْيُذَاكِرْ وَلَا يَكْسَلْ
وَلَيْسَ لِصَحِيحِ الْعَقْلِ وَالْبَدَنِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَفْقَرَ مِنْ أَبِي يُوسُفَ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ التَّفَقُّهِ
فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَنِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ، الْمُنْصَرِفُ فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ. قِيلَ لِعَالِمٍ: بِمَ أَدْرَكْتَ الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِأَبٍ غَنِيٍّ. لِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، فَإِنَّهُ سَبَبُ زِيَادَةِ الْعِلْمِ لِأَنَّهُ شُكْرٌ عَلَى نِعْمَةِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ، وَإِنَّهُ سَبَبُ الزِّيَادَةِ. قِيلَ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّمَا أَدْرَكْتُ الْعِلْمَ بِالْحَمْدِ وَالشُّكْرِ، فَكُلَّمَا فَهِمْتُ وَوُفِّقْتُ عَلَى فِقْهٍ وَحِكْمَةٍ قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَازْدَادَ عِلْمِي
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالشُّكْرِ بِاللِّسَانِ وَالْجَنَانِ وَالْأَرْكَانِ وَالْحَالِ وَيَرَى الْفَهْمَ وَالْعِلْمَ وَالتَّوْفِيقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَطْلُبَ الْهِدَايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِ مَنِ اسْتَهْدَاهُ
فَأَهْلُ الْحَقِّ ـ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ـ طَلَبُوا الْحَقَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، الْحَقَّ الْمُبِينَ الْهَادِيَ الْعَاصِمَ، فَهَدَاهُمُ اللَّهُ وَعَصَمَهُمْ عَنِ الضَّلَالَةِ. وَأَهْلُ الضَّلَالَةِ أُعْجِبُوا بِرَأْيِهِمْ وَعَقْلِهِمْ وَطَلَبُوا الْحَقَّ مِنَ الْمَخْلُوقِ الْعَاجِزِ وَهُوَ الْعَقْلُ، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ كَالْبَصَرِ، فَإِنَّهُ لَا يُبْصِرُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فَحُجِبُوا وَعَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَتِهِ، وَضَلُّوا وَأَضَلُّوا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْغَافِلُ مَنْ عَمِلَ بِغَفْلَتِهِ وَالْعَاقِلُ مَنْ عَمِلَ بِعَقْلِهِ. فَالْعَمَلُ بِالْعَقْلِ أَوَّلًا: أَنْ يَعْرِفَ عَجْزَ نَفْسِهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، فَإِذَا عَرَفَ عَجْزَ نَفْسِهِ عَرَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَقْلِهِ بَلْ يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ، وَيَطْلُبُ الْحَقَّ مِنْهُ. وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَلَا يَبْخَلْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ الْبُخْلِ. قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَيُّ دَوَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ. وَكَانَ أَبُو الشَّيْخِ الْإِمَامِ الْأَجَلِّ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ فَقِيرًا يَبِيعُ الْحَلْوَاءَ، وَكَانَ يُعْطِي الْفُقَهَاءَ مِنَ الْحَلْوَاءِ وَيَقُولُ: اُدْعُوا لِابْنِي، فَبِبَرَكَةِ جُودِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَشَفَقَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَالَ ابْنُهُ مَا نَالَ
وَيَشْتَرِي بِالْمَالِ الْكُتُبَ وَيَسْتَكْتِبُ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّفَقُّهِ
وَقَدْ كَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مَالٌ كَثِيرٌ حَتَّى كَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْوُكَلَاءِ عَلَى مَالِهِ وَأَنْفَقَهُ كُلَّهُ فِي الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ ثَوْبٌ نَفِيسٌ فَرَآهُ أَبُو يُوسُفَ فِي ثَوْبٍ خَلَقٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ثِيَابًا نَفِيسَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا فَقَالَ: عُجِّلَ لَكُمْ، وَأُجِّلَ لَنَا، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَقْبَلْهُ وَإِنْ كَانَ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ سُنَّةً، لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَذَلَّةً لِنَفْسِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ
وَحُكِيَ أَنَّ الشَّيْخَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ الْأَرْسَابَنْدِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَمَعَ قُشُورَ الْبِطِّيخِ الْمُلْقَاةَ فِي مَكَانٍ خَالٍ فَأَكَلَهَا فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ مَوْلَاهَا فَاتَّخَذَ لَهُ دَعْوَةً فَدَعَاهُ إِلَيْهَا فَلَمْ يَقْبَلْ لِهَذَا
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ ذَا هِمَّةٍ عَالِيَةٍ لَا يَطْمَعُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ. وَلَا يَبْخَلْ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ بَلْ يُنْفِقْ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ
قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْفَقْرِ مَخَافَةَ الْفَقْرِ وَكَانُوا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ يَتَعَلَّمُونَ الْحِرْفَةَ ثُمَّ يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ حَتَّى لَا يَطْمَعُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ. وَفِي الْحِكْمَةِ مَنِ اسْتَغْنَى بِمَالِ النَّاسِ افْتَقَرَ
وَالْعَالِمُ إِذَا كَانَ طَمَّاعًا لَا يَبْقَى لَهُ حُرْمَةُ الْعِلْمِ وَلَا يَقُولُ بِالْحَقِّ وَلِهَذَا كَانَ يَتَعَوَّذُ صَاحِبُ الشَّرْحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يُدْنِي إِلَى طَبَعٍ
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجُوَ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَخَافَ إِلَّا مِنْهُ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِمُجَاوَزَةِ حَدِّ الشَّرْعِ وَعَدَمِهَا فَمَنْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى خَوْفًا مِنَ الْمَخْلُوقِ فَقَدْ خَافَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا لَمْ يَعْصِ اللَّهَ تَعَالَى لِخَوْفِ الْمَخْلُوقِ وَرَاقَبَ حُدُودَ الشَّرْعِ فَلَمْ يَخَفْ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ خَافَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَذَا فِي جَانِبِ الرَّجَاءِ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُعِدَّ وَيُقَدِّرَ لِنَفْسِهِ تَقْدِيرًا فِي التَّكْرَارِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ قَلْبُهُ حَتَّى يَبْلُغَ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ
وَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يُكَرِّرَ سَبْقَ الْأَمْسِ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَسَبْقَ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَ الْأَمْسِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَالسَّبْقَ الَّذِي قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَالَّذِي قَبْلَهُ اثْنَيْنِ وَالَّذِي قَبْلَهُ وَاحِدًا فَهَذَا أَدْعَى إِلَى الْحِفْظِ
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتَادَ الْمُخَافَتَةَ فِي التَّكْرَارِ لِأَنَّ الدَّرْسَ وَالتَّكْرَارَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَلَا يَجْهَرْ جَهْرًا يُجْهِدُ نَفْسَهُ كَيْلَا يَنْقَطِعَ عَنِ التَّكْرَارِ، فَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا. وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يُذَاكِرُ الْفِقْهَ مَعَ الْفُقَهَاءِ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ، وَكَانَ صِهْرُهُ عِنْدَهُ يَتَعَجَّبُ فِي أَمْرِهِ وَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ جَائِعٌ مُنْذُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُنَاظِرُ بِقُوَّةٍ وَنَشَاطٍ
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فَتْرَةٌ فَإِنَّهَا آفَةٌ، وَكَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا غَلَبْتُ شُرَكَائِي بِأَنِّي لَا تَقَعُ لِي الْفَتْرَةُ فِي التَّحْصِيلِ. وَكَانَ يَحْكِي عَنِ الشَّيْخِ الْأَسْبِيجَابِيِّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي زَمَانِ تَحْصِيلِهِ وَتَعَلُّمِهِ فَتْرَةً اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً بِانْقِلَابِ الْمُلْكِ، فَخَرَجَ مَعَ شَرِيكِهِ فِي الْمُنَاظَرَةِ [إِلَى حَيْثُ يُمْكِنُهُمَا الِاسْتِمْرَارُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَظَلَّا يَدْرُسَانِهِ مَعًا] وَلَمْ يَتْرُكَا الْجُلُوسَ لِلْمُنَاظَرَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَصَارَ شَرِيكُهُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ لِلشَّافِعِيِّينَ وَكَانَ هُوَ شَافِعِيًّا
وَكَانَ أُسْتَاذُنَا الشَّيْخُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ قَاضِي خَانْ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْمُتَفَقِّهِ أَنْ يَحْفَظَ [كِتَابًا] وَاحِدًا مِنَ [كُتُبِ] الْفِقْهِ دَائِمًا فَيَتَيَسَّرُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حِفْظُ مَا سَمِعَ مِنَ الْفِقْهِ
Fasal 7 — Tawakal
فَصْلٌ فِي التَّوَكُّلِ
ثُمَّ لَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ التَّوَكُّلِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَلَا يَهْتَمَّ لِأَمْرِ الرِّزْقِ وَلَا يُشْغِلَ قَلْبَهُ بِذَلِكَ. رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
فَإِنَّ مَنِ اشْتَغَلَ قَلْبُهُ بِأَمْرِ الرِّزْقِ مِنَ الْقُوتِ وَالْكِسْوَةِ قَلَّ مَا يَتَفَرَّغُ لِتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ
قِيلَ:
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
قَالَ رَجُلٌ [لِابْنِ] مَنْصُورِ الْحَلَّاجِ: أَوْصِنِي، فَقَالَ [ابْنُ] الْمَنْصُورِ: هِيَ نَفْسُكَ، إِنْ لَمْ تَشْغَلْهَا شَغَلَتْكَ
فَيَنْبَغِي لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِأَعْمَالِ الْخَيْرِ حَتَّى لَا يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِهَوَاهَا
وَلَا يَهْتَمَّ الْعَاقِلُ لِأَمْرِ الدُّنْيَا لِأَنَّ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ لَا يَرُدُّ الْمُصِيبَةَ، وَلَا يَنْفَعُ بَلْ يَضُرُّ بِالْقَلْبِ وَالْعَقْلِ، وَيُخِلُّ بِأَعْمَالِ الْخَيْرِ، وَيَهْتَمَّ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ مِنَ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا هَمُّ الْمَعِيشَةِ فَالْمُرَادُ مِنْهُ قَدْرُ هَمٍّ لَا يُخِلُّ بِأَعْمَالِ الْخَيْرِ وَلَا يُشْغِلُ الْقَلْبَ شُغْلًا يُخِلُّ بِإِحْضَارِ الْقَلْبِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنَ الْهَمِّ وَالْقَصْدِ مِنْ أَعْمَالِ الْآخِرَةِ
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ تَقْلِيلِ الْعَلَائِقِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ فَلِهَذَا اخْتَارُوا الْغُرْبَةَ
وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَمُّلِ النَّصَبِ وَالْمَشَقَّةِ فِي سَفَرِ التَّعَلُّمِ، كَمَا قَالَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ فِي سَفَرِ التَّعَلُّمِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْفَارِ [لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا]. لِيُعْلَمَ أَنَّ سَفَرَ الْعِلْمِ لَا يَخْلُو عَنِ التَّعَبِ، لِأَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَزَاةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ
فَمَنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ التَّعَبِ وَجَدَ لَذَّةَ الْعِلْمِ تَفُوقُ [لَذَّاتِ الدُّنْيَا]. وَلِهَذَا كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِذَا سَهِرَ اللَّيَالِيَ وَانْحَلَّتْ لَهُ الْمُشْكِلَاتُ يَقُولُ: أَيْنَ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مِنْ هَذِهِ اللَّذَّاتِ؟
وَيَنْبَغِي [لِطَالِبِ الْعِلْمِ] أَلَّا يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ [آخَرَ غَيْرِ الْعِلْمِ] وَلَا يُعْرِضَ عَنِ الْفِقْهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: صِنَاعَتُنَا هَذِهِ مِنَ الْمَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ عِلْمَنَا هَذَا سَاعَةً فَلْيَتْرُكْهُ السَّاعَةَ
وَدَخَلَ فَقِيهٌ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَلَى أَبِي يُوسُفَ يَعُودُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: رَمْيُ الْجِمَارِ رَاكِبًا أَفْضَلُ أَمْ رَاجِلًا؟ فَلَمْ يَعْرِفِ الْجَوَابَ، فَأَجَابَ بِنَفْسِهِ
وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ [فَحِينَئِذٍ] يَجِدُ لَذَّةً عَظِيمَةً فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: رُئِيَ مُحَمَّدٌ [بْنُ الْحَسَنِ] فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ كُنْتَ فِي حَالِ النَّزْعِ؟ فَقَالَ: كُنْتُ مُتَأَمِّلًا فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْمُكَاتَبِ، فَلَمْ أَشْعُرْ بِخُرُوجِ رُوحِي. وَقِيلَ إِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: شَغَلَتْنِي مَسَائِلُ الْمُكَاتَبِ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِهَذَا الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا
Fasal 8 — Waktu Menuntut Ilmu
فَصْلٌ فِي وَقْتِ التَّحْصِيلِ
قِيلَ: وَقْتُ التَّعَلُّمِ مِنَ الْمَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ. دَخَلَ حَسَنُ بْنُ زِيَادٍ فِي التَّفَقُّهِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَبِتْ عَلَى الْفِرَاشِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَأَفْتَى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
وَأَفْضَلُ الْأَوْقَاتِ شَرْخُ الشَّبَابِ، وَوَقْتُ السَّحَرِ، وَمَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، فَإِذَا مَلَّ مِنْ عِلْمٍ يَشْتَغِلْ بِعِلْمٍ آخَرَ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا مَلَّ مِنَ الْكَلَامِ يَقُولُ: هَاتُوا دِيوَانَ الشُّعَرَاءِ
وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ، وَكَانَ يَضَعُ عِنْدَهُ الدَّفَاتِرَ، وَكَانَ إِذَا مَلَّ مِنْ نَوْعٍ نَظَرَ فِي نَوْعٍ آخَرَ، (وَكَانَ يَضَعُ عِنْدَهُ الْمَاءَ، وَيُزِيلُ نَوْمَهُ بِالْمَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ النَّوْمَ مِنَ الْحَرَارَةِ)
Fasal 9 — Kasih Sayang dan Nasihat
فَصْلٌ فِي الشَّفَقَةِ وَالنَّصِيحَةِ
يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْعِلْمِ مُشْفِقًا نَاصِحًا غَيْرَ حَاسِدٍ، فَالْحَسَدُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَكَانَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ بُرْهَانُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: قَالُوا إِنَّ ابْنَ الْمُعَلِّمِ يَكُونُ عَالِمًا لِأَنَّ الْمُعَلِّمَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ تِلْمِيذُهُ فِي الْقُرْآنِ عَالِمًا فَبِبَرَكَةِ اعْتِقَادِهِ وَشَفَقَتِهِ يَكُونُ ابْنُهُ عَالِمًا
وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْكِي أَنَّ الصَّدْرَ الْأَجَلَّ بُرْهَانَ الْأَئِمَّةِ جَعَلَ وَقْتَ السَّبْقِ لِابْنَيْهِ الصَّدْرَ الشَّهِيدَ حُسَامَ الدِّينِ [وَالصَّدْرَ] السَّعِيدَ تَاجَ الدِّينِ وَقْتَ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى بَعْدَ جَمِيعِ الْأَسْبَاقِ، وَكَانَا يَقُولَانِ: إِنَّ طَبِيعَتَنَا تَكِلُّ وَتَمَلُّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَقَالَ أَبُوهُمَا رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ الْغُرَبَاءَ وَأَوْلَادَ الْكُبَرَاءِ يَأْتُونَنِي مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أُقَدِّمَ أَسْبَاقَهُمْ. فَبِبَرَكَةِ شَفَقَتِهِ فَاقَ ابْنَاهُ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَأَهْلَ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنَازِعَ أَحَدًا وَلَا يُخَاصِمَهُ لِأَنَّهُ يُضَيِّعُ أَوْقَاتَهُ. قِيلَ: الْمُحْسِنُ سَيُجْزَى بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءُ سَتَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ. أَنْشَدَنِي الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْعَارِفُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِإِمَامِ خَوَاهَرْ زَادَهْ مُفْتِي الْفَرِيقَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: أَنْشَدَنِي سُلْطَانُ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ يُوسُفُ الْهَمَذَانِيُّ:
لَا تَجْزِ [إِنْسَانًا] عَلَى سُوءِ فِعْلِهِ سَيَكْفِيهِ مَا فِيهِ وَمَا هُوَ فَاعِلُهُ
قِيلَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُرْغِمَ أَنْفَ عَدُوِّهِ فَلْيُكَرِّرْ وَأَنْشَدْتُ هَذَا الشِّعْرَ:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَلْقَى عَدُوَّكَ رَاغِمًا وَتَقْتُلَهُ غَمًّا وَتُحْرِقَهُ هَمًّا
فَرُمْ لِلْعُلَى وَازْدَدْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّهُ مَنِ ازْدَادَ عِلْمًا زَادَ حَاسِدُهُ غَمًّا
قِيلَ: عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَغِلَ بِمَصَالِحِ نَفْسِكَ لَا بِقَهْرِ عَدُوِّكَ، فَإِذَا أَقَمْتَ مَصَالِحَ نَفْسِكَ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَهْرَ عَدُوِّكَ
إِيَّاكَ وَالْمُعَادَاةَ فَإِنَّهَا تَفْضَحُكَ وَتُضَيِّعُ أَوْقَاتَكَ، وَعَلَيْكَ بِالتَّحَمُّلِ [لَا] سِيَّمَا مِنَ السُّفَهَاءِ. قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: احْتَمِلُوا مِنَ السَّفِيهِ وَاحِدَةً كَيْ تَرْبَحُوا عَشْرًا. وَأَنْشَدْتُ لِبَعْضِهِمْ شِعْرًا:
بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِ
وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا وَأَصْعَبَ مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ
وَذُقْتُ مَرَارَةَ الْأَشْيَاءِ طُرًّا وَمَا ذُقْتُ أَمَرَّ مِنَ السُّؤَالِ
وَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ بِالْمُؤْمِنِ سُوءًا فَإِنَّهُ مَنْشَأُ الْعَدَاوَةِ وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ظُنُّوا بِالْمُؤْمِنِينَ خَيْرًا
وَإِنَّمَا يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنْ خُبْثِ النِّيَّةِ وَسُوءِ السَّرِيرَةِ، كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:
إِذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِبِّيهِ بِقَوْلِ عُدَاتِهِ وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
وَأَنْشَدْتُ لِبَعْضِهِمْ:
تَنَحَّ عَنِ الْقَبِيحِ وَلَا تَرُدَّهُ وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْنًا فَزِدْهُ
سَتُكْفَى مِنْ عَدُوِّكَ كُلَّ كَيْدٍ إِذَا كَادَ الْعَدُوُّ فَلَا تَكِدْهُ
وَأَنْشَدْتُ لِلشَّيْخِ الْعَمِيدِ أَبِي الْفَتْحِ الْبُسْتِيِّ:
ذُو الْعَقْلِ لَا يَسْلَمُ مِنْ جَاهِلٍ يَسُومُهُ ظُلْمًا وَإِعْنَاتًا
فَلْيَخْتَرِ السِّلْمَ عَلَى حَرْبِهِ وَلْيَلْزَمِ الْإِنْصَاتَ إِنْصَاتًا
Fasal 10 — Mengambil Manfaat Ilmu dan Mencontoh Adab
فَصْلٌ فِي الِاسْتِفَادَةِ وَاقْتِبَاسِ الْأَدَبِ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ طَالِبُ الْعِلْمِ مُسْتَفِيدًا فِي كُلِّ وَقْتٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ الْفَضْلُ وَالْكَمَالُ فِي الْعِلْمِ. وَطَرِيقُ الِاسْتِفَادَةِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِحْبَرَةٌ حَتَّى يَكْتُبَ مَا يَسْمَعُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْعِلْمِيَّةِ.
قِيلَ: مَنْ حَفِظَ فَرَّ وَمَنْ كَتَبَ قَرَّ. وَقِيلَ: الْعِلْمُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَفْوَاهِ الرِّجَالِ، لِأَنَّهُمْ يَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَقُولُونَ أَحْسَنَ مَا يَحْفَظُونَ.
وَسَمِعْتُ عَنْ شَيْخِ الْإِمَامِ الْأَدِيبِ الْأُسْتَاذِ زَيْنِ الْإِسْلَامِ الْمَعْرُوفِ بِالْأَدِيبِ الْمُخْتَارِ يَقُولُ: قَالَ هِلَالُ [بْنُ زَيْدِ] بْنُ يَسَارٍ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعِدْ لِي مَا قُلْتَ لَهُمْ، فَقَالَ لِي: هَلْ مَعَكَ مِحْبَرَةٌ؟ فَقُلْتُ: مَا مَعِي مِحْبَرَةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا هِلَالُ لَا تُفَارِقِ الْمِحْبَرَةَ لِأَنَّ الْخَيْرَ فِيهَا وَفِي أَهْلِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَوَصَّى الصَّدْرُ الشَّهِيدُ حُسَامُ الدِّينِ ابْنَهُ شَمْسَ الدِّينِ أَنْ يَحْفَظَ كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ، وَعَنْ قَرِيبٍ يَكُونُ كَثِيرًا. وَاشْتَرَى عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ قَلَمًا بِدِينَارٍ لِيَكْتُبَ مَا يَسْمَعُهُ فِي الْحَالِ، فَالْعُمْرُ قَصِيرٌ وَالْعِلْمُ كَثِيرٌ.
فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُضَيِّعَ طَالِبُ الْعِلْمِ الْأَوْقَاتَ وَالسَّاعَاتِ وَيَغْتَنِمَ اللَّيَالِيَ وَالْخَلَوَاتِ. يُحْكَى عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ [أَنَّهُ قَالَ] اللَّيْلُ طَوِيلٌ فَلَا تُقَصِّرْهُ بِمَنَامِكَ، وَالنَّهَارُ مُضِيءٌ فَلَا تُكَدِّرْهُ بِآثَامِكَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ الشُّيُوخَ وَيَسْتَفِيدَ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا فَاتَ يُدْرَكُ، كَمَا قَالَ أُسْتَاذُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَشْيَخَتِهِ: كَمْ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ أَدْرَكْتُهُ وَمَا اسْتَخْبَرْتُهُ. وَأَقُولُ عَلَى هَذَا الْفَوْتِ مُنْشِئًا هَذَا الْبَيْتَ:
لَهْفًا عَلَى فَوْتِ التَّلَاقِي لَهْفًا مَا كُلُّ مَا فَاتَ وَيَفْنَى يُلْفَى
قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا كُنْتَ فِي أَمْرٍ فَكُنْ فِيهِ، وَكَفَى بِالْإِعْرَاضِ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ خِزْيًا وَخُسْرَانًا وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا.
وَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ وَالْمَذَلَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالتَّمَلُّقُ مَذْمُومٌ إِلَّا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّمَلُّقِ لِلْأُسْتَاذِ وَالشَّرِيكِ وَغَيْرِهِمَا لِلِاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ
قِيلَ: الْعِلْمُ عِزٌّ لَا ذُلَّ فِيهِ، لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِذُلٍّ لَا عِزَّ فِيهِ.
وَقَالَ الْقَائِلُ: أَرَى لَكَ نَفْسًا تَشْتَهِي أَنْ تُعِزَّهَا فَلَسْتَ تَنَالُ الْعِزَّ حَتَّى تُذِلَّهَا
Fasal 11 — Wara' Selama Belajar
فَصْلٌ فِي الْوَرَعِ فِي حَالَةِ التَّعَلُّمِ
رَوَى بَعْضُهُمْ حَدِيثًا فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتَوَرَّعْ فِي تَعَلُّمِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إِمَّا أَنْ يُمِيتَهُ فِي شَبَابِهِ، أَوْ يُوقِعَهُ فِي الرَّسَاتِيقِ، أَوْ يَبْتَلِيَهُ بِخِدْمَةِ السُّلْطَانِ؛ فَكُلَّمَا كَانَ طَالِبُ الْعِلْمِ أَوْرَعَ كَانَ عِلْمُهُ أَنْفَعَ، وَالتَّعَلُّمُ لَهُ أَيْسَرَ وَفَوَائِدُهُ أَكْثَرُ.
وَمِنَ الْوَرَعِ [الْكَامِلِ] أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنِ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ النَّوْمِ وَكَثْرَةِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ
وَأَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ أَكْلِ طَعَامِ السُّوقِ إِنْ أَمْكَنَ، لِأَنَّ طَعَامَ السُّوقِ أَقْرَبُ إِلَى النَّجَاسَةِ وَالْخَبَاثَةِ، وَأَبْعَدُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْغَفْلَةِ، وَلِأَنَّ أَبْصَارَ الْفُقَرَاءِ تَقَعُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ، فَيَتَأَذَّوْنَ بِذَلِكَ فَتَذْهَبُ بَرَكَتُهُ.
وَحُكِيَ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّيْخَ الْجَلِيلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَضْلِ كَانَ فِي حَالِ تَعَلُّمِهِ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامِ السُّوقِ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْكُنُ فِي الرَّسَاتِيقِ وَيُهَيِّئُ طَعَامَهُ وَيُدْخِلُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرَأَى فِي بَيْتِ ابْنِهِ خُبْزَ السُّوقِ يَوْمًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُ سَاخِطًا عَلَى ابْنِهِ فَاعْتَذَرَ ابْنُهُ، فَقَالَ: مَا اشْتَرَيْتُ أَنَا وَلَمْ أَرْضَ بِهِ وَلَكِنْ أَحْضَرَهُ شَرِيكِي، فَقَالَ أَبُوهُ: لَوْ كُنْتَ تَحْتَاطُ وَتَتَوَرَّعُ عَنْ مِثْلِهِ لَمْ يَجْرُؤْ شَرِيكُكَ عَلَى ذَلِكَ. وَهَكَذَا كَانُوا يَتَوَرَّعُونَ فَلِذَلِكَ وُفِّقُوا لِلْعِلْمِ وَالنَّشْرِ حَتَّى بَقِيَ اسْمُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَوَصَّى فَقِيهٌ مِنْ زُهَّادِ الْفُقَهَاءِ طَالِبَ الْعِلْمِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنِ الْغِيبَةِ وَعَنْ مُجَالَسَةِ الْمِكْثَارِ، وَقَالَ: مَنْ يُكْثِرِ الْكَلَامَ يَسْرِقْ عُمْرَكَ وَيُضَيِّعْ أَوْقَاتَكَ.
وَمِنَ الْوَرَعِ أَنْ يَجْتَنِبَ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالْمَعَاصِي وَالتَّعْطِيلِ، [وَيُجَاوِرَ الصُّلَحَاءَ] فَإِنَّ الْمُجَاوَرَةَ مُؤَثِّرَةٌ، وَأَنْ يَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَيَكُونَ مُسْتَنًّا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيَغْتَنِمَ دَعْوَةَ أَهْلِ الْخَيْرِ، وَيَتَحَرَّزَ عَنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِينَ.
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِلْغُرْبَةِ وَكَانَا شَرِيكَيْنِ فَرَجَعَا بَعْدَ سِنِينَ إِلَى بَلَدِهِمَا وَقَدْ فَقُهَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَفْقُهِ الْآخَرُ، فَتَأَمَّلَ فُقَهَاءُ الْبِلَادِ وَسُئِلُوا عَنْ حَالِهِمَا وَتَكْرَارِهِمَا وَجُلُوسِهِمَا فَأُخْبِرُوا أَنَّ جُلُوسَ الَّذِي تَفَقَّهَ فِي حَالِ التَّكْرَارِ كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَالْمِصْرَ الَّذِي [حَصَلَ الْعِلْمَ فِيهِ] وَالْآخَرُ كَانَ مُسْتَدْبِرًا الْقِبْلَةَ وَوَجْهَهُ إِلَى غَيْرِ الْمِصْرِ. فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ أَنَّ الْفَقِيهَ فَقُهَ بِبَرَكَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إِذْ هُوَ السُّنَّةُ فِي الْجُلُوسِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَبِبَرَكَةِ دُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْمِصْرَ لَا يَخْلُو مِنَ الْعُبَّادِ وَأَهْلِ الْخَيْرِ وَالزُّهْدِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَابِدًا دَعَا لَهُ فِي اللَّيْلِ.
فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَتَهَاوَنَ بِالْآدَابِ وَالسُّنَنِ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْأَدَبِ حُرِمَ السُّنَنَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالسُّنَنِ حُرِمَ الْفَرَائِضَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالْفَرَائِضِ حُرِمَ الْآخِرَةَ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا بِهَذَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ، وَيُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَاشِعِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَهُ عَلَى التَّحْصِيلِ وَالتَّعَلُّمِ.
وَأَنْشَدْتُ لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ الزَّاهِدِ الْحَجَّاجِ نَجْمِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيِّ شِعْرًا:
كُنْ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي حَافِظًا وَعَلَى الصَّلَاةِ مُوَاظِبًا وَمُحَافِظًا
وَاطْلُبْ عُلُومَ الشَّرْعِ وَاجْهَدْ وَاسْتَعِنْ بِالطَّيِّبَاتِ تَصِرْ فَقِيهًا حَافِظًا
وَاسْأَلْ إِلَهَكَ حِفْظَ حِفْظِكَ رَاغِبًا مِنْ فَضْلِهِ فَاللَّهُ خَيْرُ حَافِظٍ
كُنْ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي حَافِظًا وَعَلَى الصَّلَاةِ مُوَاظِبًا وَمُحَافِظًا
وَاطْلُبْ عُلُومَ الشَّرْعِ وَاجْهَدْ وَاسْتَعِنْ بِالطَّيِّبَاتِ تَصِرْ فَقِيهًا حَافِظًا
وَاسْأَلْ إِلَهَكَ حِفْظَ حِفْظِكَ رَاغِبًا مِنْ فَضْلِهِ فَاللَّهُ خَيْرُ حَافِظًا
وَقَالَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ:
أَطِيعُوا وَجِدُّوا وَلَا تَكْسَلُوا وَأَنْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ تَرْجِعُونَ
وَلَا تَهْجَعُوا فَخِيَارُ الْوَرَى قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ
وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَصْحِبَ دَفْتَرًا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِيُطَالِعَهُ. وَقِيلَ: مَنْ لَمْ يَكُنِ الدَّفْتَرُ فِي كُمِّهِ لَمْ تَثْبُتِ الْحِكْمَةُ فِي قَلْبِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الدَّفْتَرِ بَيَاضٌ وَيَسْتَصْحِبَ الْمِحْبَرَةَ لِيَكْتُبَ مَا يَسْمَعُ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ هِلَالِ بْنِ يَسَارٍ.
Fasal 12 — Penguat Hafalan dan Penyebab Lupa
فَصْلٌ فِيْمَا يُوْرِثُ الْحِفْظَ وَفِيْمَا يُوْرِثُ النِّسْيَانَ
وَأَقْوَى أَسْبَابِ الْحِفْظِ: الْجِدُّ وَالْمُوَاظَبَةُ، وَتَقْلِيْلُ الْغِذَاءِ، وَصَلَاةُ اللَّيْلِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ أَسْبَابِ الْحِفْظِ.
قِيْلَ: لَيْسَ شَيْءٌ أَزْيَدَ لِلْحِفْظِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ نَظَرًا، وَالْقِرَاءَةُ نَظَرًا أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَعْظَمُ أَعْمَالِ أُمَّتِيْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ نَظَرًا
وَرَأَى شَدَّادُ بْنُ حَكِيْمٍ بَعْضَ إِخْوَانِهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِأَخِيْهِ: أَيُّ شَيْءٍ وَجَدْتَهُ أَنْفَعَ؟ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ نَظَرًا.
وَيَقُوْلُ عِنْدَ رَفْعِ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللهِ وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ، عَدَدَ كُلِّ حَرْفٍ كُتِبَ وَيُكْتَبُ أَبَدَ الْآبِدِيْنَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِيْنَ. وَيَقُوْلُ بَعْدَ كُلِّ مَكْتُوْبَةٍ: آمَنْتُ بِاللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الْحَقِّ، وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَكَفَرْتُ بِمَا سِوَاهُ
وَيُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّ ذِكْرَهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِيْنَ. [قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:]
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيْعٍ سُوْءَ حِفْظِيْ [فَأَرْشَدَنِيْ] إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِيْ
فَإِنَّ الْحِفْظَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ وَفَضْلُ اللهِ لَا يُعْطَى لِعَاصٍ
وَالسِّوَاكُ وَشُرْبُ الْعَسَلِ وَأَكْلُ الْكُنْدُرِ مَعَ السُّكَّرِ وَأَكْلُ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ زَبِيْبَةً حَمْرَاءَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيْقِ يُوْرِثُ الْحِفْظَ وَيَشْفِيْ مِنْ كَثِيْرٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَكُلُّ مَا يُقَلِّلُ الْبَلْغَمَ وَالرُّطُوْبَاتِ يَزِيْدُ فِي الْحِفْظِ، وَكُلُّ مَا يَزِيْدُ فِي الْبَلْغَمِ يُوْرِثُ النِّسْيَانَ.
وَأَمَّا مَا يُوْرِثُ النِّسْيَانَ فَهُوَ: الْمَعَاصِيْ وَكَثْرَةُ الذُّنُوْبِ وَالْهُمُوْمِ وَالْأَحْزَانِ فِيْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا، وَكَثْرَةُ الْاِشْتِغَالِ وَالْعَلَائِقِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِيْ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَهْتَمَّ لِأَمْرِ الدُّنْيَا لِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، وَهُمُوْمُ الدُّنْيَا لَا تَخْلُوْ عَنِ الظُّلْمَةِ فِي الْقَلْبِ، وَهُمُوْمُ الْآخِرَةِ لَا تَخْلُوْ عَنِ النُّوْرِ فِي الْقَلْبِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَهَمُّ الدُّنْيَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ، وَهَمُّ الْآخِرَةِ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ
وَالْاِشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْخُشُوْعِ وَتَحْصِيْلِ الْعِلْمِ يَنْفِي الْهَمَّ وَالْحَزَنَ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْغِيْنَانِيُّ فِيْ قَصِيْدَةٍ لَهُ:
اِسْتَعِنْ نَصْرَ بْنَ الْحَسَنِ فِيْ كُلِّ عِلْمٍ يُحْتَزَنُ
ذَاكَ الَّذِيْ يَنْفِي الْحَزَنَ وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ لَا يُؤْتَمَنُ
وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ نَجْمُ الدِّيْنِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّسَفِيُّ قَالَ فِيْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ:
سَلَامٌ عَلَى مَنْ تَيَّمَتْنِيْ بِظَرْفِهَا وَلَمْعَةِ خَدِّهَا وَلَمْحَةِ طَرْفِهَا
سَبَتْنِيْ وَأَصْبَتْنِيْ فَتَاةٌ مَلِيْحَةٌ تَحَيَّرَتِ الْأَوْهَامُ فِيْ كُنْهِ وَصْفِهَا
فَقُلْتُ: ذَرِيْنِيْ وَاعْذِرِيْنِيْ فَإِنَّنِيْ شُغِفْتُ بِتَحْصِيْلِ الْعُلُوْمِ وَكَشْفِهَا
وَلِيْ فِيْ طِلَابِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالتُّقَى غِنًى عَنْ غِنَاءِ الْغَانِيَاتِ وَعَرْفِهَا
وَأَمَّا أَسْبَابُ نِسْيَانِ الْعِلْمِ: فَأَكْلُ الْكُزْبُرَةِ الرَّطْبَةِ، وَالتُّفَّاحِ الْحَامِضِ، وَالنَّظَرُ إِلَى الْمَصْلُوْبِ، وَقِرَاءَةُ الْخَطِّ الْمَكْتُوْبِ عَلَى حِجَارَةِ الْقُبُوْرِ، وَالْمُرُوْرُ بَيْنَ قِطَارِ الْجِمَالِ، وَإِلْقَاءُ الْقَمْلِ الْحَيِّ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْحِجَامَةُ عَلَى نُقْرَةِ الْقَفَا، كُلُّهَا يُوْرِثُ النِّسْيَانَ
Fasal 13 — Rezeki, Penghalangnya, dan Umur
فَصْلٌ فِيْمَا يَجْلِبُ الرِّزْقَ وَفِيْمَا يَمْنَعُ وَمَا يَزِيْدُ فِي الْعُمْرِ وَمَا يَنْقُصُ
ثُمَّ لَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ مِنَ الْقُوَّةِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَزِيْدُ فِيْهِ وَمَا يَزِيْدُ فِي الْعُمْرِ وَالصِّحَّةِ لِيَتَفَرَّغَ فِيْ طَلَبِ الْعِلْمِ، وَفِيْ كُلِّ ذَلِكَ صَنَّفُوْا كُتُبًا، فَأَوْرَدْتُ بَعْضَهَا هُنَا عَلَى سَبِيْلِ الْاِخْتِصَارِ.
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا بِالدُّعَاءِ، وَلَا يَزِيْدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ مِنَ الرِّزْقِ بِذَنْبٍ يُصِيْبُهُ. ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيْثِ أَنَّ ارْتِكَابَ الذَّنْبِ سَبَبُ حِرْمَانِ الرِّزْقِ خُصُوْصًا الْكَذِبَ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ الْفَقْرَ، وَقَدْ وَرَدَ فِيْهِ حَدِيْثٌ خَاصٌّ
وَكَذَا نَوْمُ الصُّبْحَةِ يَمْنَعُ الرِّزْقَ، وَكَثْرَةُ النَّوْمِ تُوْرِثُ الْفَقْرَ، وَفَقْرَ الْعِلْمِ أَيْضًا. قَالَ الْقَائِلُ شِعْرًا:
سُرُوْرُ النَّاسِ فِيْ لُبْسِ اللِّبَاسِ وَجَمْعُ الْعِلْمِ فِيْ تَرْكِ النُّعَاسِ
وَقَالَ: أَلَيْسَ مِنَ الْحُزْنِ أَنَّ لَيَالِيَ تَمُرُّ بِلَا نَفْعٍ وَتَخْسَرُ مِنَ الْعُمْرِ
وَقَالَ أَيْضًا: قُمِ اللَّيْلَ يَا هَذَا لَعَلَّكَ تُرْشَدُ إِلَى كَمْ تَنَامُ اللَّيْلَ وَالْعُمْرُ يَنْفَدُ
وَالنَّوْمُ عُرْيَانًا، وَالْبَوْلُ عُرْيَانًا، وَالْأَكْلُ جُنُبًا، وَالْأَكْلُ مُتَّكِئًا عَلَى جَنْبٍ، وَالتَّهَاوُنُ بِسُقُوْطِ الْمَائِدَةِ، وَحَرْقُ قِشْرِ الْبَصَلِ وَالثُّوْمِ، وَكَنْسُ الْبَيْتِ فِي اللَّيْلِ بِالْمِنْدِيْلِ، وَتَرْكُ الْقُمَامَةِ فِي الْبَيْتِ، وَالْمَشْيُ قُدَّامَ الْمَشَايِخِ، وَنِدَاءُ الْوَالِدَيْنِ بِاسْمَيْهِمَا، وَالْخِلَالُ بِكُلِّ خَشَبَةٍ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بِالطِّيْنِ وَالتُّرَابِ، وَالْجُلُوْسُ عَلَى الْعَتَبَةِ، وَالْاِتِّكَاءُ عَلَى أَحَدِ زَوْجَيِ الْبَابِ، وَالتَّوَضُّؤُ فِي الْمَبْرَزِ، وَخِيَاطَةُ الثَّوْبِ عَلَى بَدَنِهِ، وَتَجْفِيْفُ الْوَجْهِ بِالثَّوْبِ، وَتَرْكُ الْعَنْكَبُوْتِ فِي الْبَيْتِ، وَالتَّهَاوُنُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِسْرَاعُ الْخُرُوْجِ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَالْاِبْتِكَارُ بِالذَّهَابِ إِلَى السُّوْقِ، وَالْإِبْطَاءُ فِي الرُّجُوْعِ مِنْهُ، وَشِرَاءُ كُسَارَاتِ الْخُبْزِ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَالسُّؤَالُ، وَدُعَاءُ الشَّرِّ عَلَى الْوَالِدِ، وَتَرْكُ تَخْمِيْرِ الْأَوَانِيْ وَإِطْفَاءُ السِّرَاجِ بِالنَّفَسِ: كُلُّ ذَلِكَ يُوْرِثُ الْفَقْرَ، عُرِفَ ذَلِكَ بِالْآثَارِ
وَكَذَا الْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ الْمَعْقُوْدِ، وَالْاِمْتِشَاطُ بِالْمُشْطِ الْمُنْكَسِرِ، وَتَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَمُّمُ قَاعِدًا، وَالتَّسَرْوُلُ قَائِمًا، وَالْبُخْلُ وَالتَّقْتِيْرُ، وَالْإِسْرَافُ، وَالْكَسَلُ وَالتَّوَانِيْ وَالتَّهَاوُنُ فِي الْأُمُوْرِ. وَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اِسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ
وَالْبُكُوْرُ مُبَارَكٌ يَزِيْدُ فِيْ جَمِيْعِ النِّعَمِ خُصُوْصًا فِي الرِّزْقِ. وَحُسْنُ الْحَظِّ مِنْ مَفَاتِيْحِ الرِّزْقِ وَبَسْطُ الْوَجْهِ وَطِيْبُ الْكَلَامِ يَزِيْدُ فِي الْحِفْظِ وَالرِّزْقِ. وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: كَنْسُ الْفِنَاءِ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مَجْلَبَةٌ لِلْغِنَى.
وَأَقْوَى الْأَسْبَابِ الْجَاذِبَةِ لِلرِّزْقِ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ بِالتَّعْظِيْمِ وَالْخُشُوْعِ، وَتَعْدِيْلُ الْأَرْكَانِ وَسَائِرِ وَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا، وَصَلَاةُ الضُّحَى فِيْ ذَلِكَ مَعْرُوْفَةٌ، وَقِرَاءَةُ سُوْرَةِ الْوَاقِعَةِ خُصُوْصًا فِي اللَّيْلِ وَقْتَ النَّوْمِ، وَقِرَاءَةُ الْمُلْكِ، وَالْمُزَّمِّلِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ، وَحُضُوْرُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ الْأَذَانِ، وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَأَدَاءُ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ فِي الْبَيْتِ. وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ الدُّنْيَا بَعْدَ الْوِتْرِ
وَلَا يُكْثِرَ مُجَالَسَةَ النِّسَاءِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ
وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ لَغْوٍ. وَقِيْلَ: مَنِ اشْتَغَلَ بِمَا لَا يَعْنِيْهِ فَاتَهُ مَا يَعْنِيْهِ. قَالَ بُزُرْجُمْهُرُ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُكْثِرُ الْكَلَامَ فَاسْتَيْقِنْ بِجُنُوْنِهِ.
وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ: وَاتَّفَقَ لِيْ فِيْ هَذَا الْمَعْنَى شِعْرًا:
إِذَا تَمَّ عَقْلُ الْمَرْءِ قَلَّ كَلَامُهُ وَأَيْقِنْ بِحُمْقِ الْمَرْءِ إِنْ كَانَ مُكْثِرًا
اَلنُّطْقُ زَيْنٌ وَالسُّكُوْتُ سَلَامَةٌ فَإِذَا نَطَقْتَ فَلَا تَكُنْ مُكْثِرًا
مَا نَدِمْتُ عَلَى سُكُوْتٍ مَرَّةً وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى الْكَلَامِ مِرَارًا
وَأَمَّا مَا يَزِيْدُ فِي الرِّزْقِ: أَنْ يَقُوْلَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ انْشِقَاقِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيْمِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيْمِ وَبِحَمْدِهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيْمَ وَأَتُوْبُ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَأَنْ يَقُوْلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِيْنُ كُلَّ يَوْمٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً مِائَةَ مَرَّةٍ.
وَأَنْ يَقُوْلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ كُلَّ يَوْمٍ: اَلْحَمْدُ لِلّهِ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثَلَاثًا وَثَلَاثِيْنَ مَرَّةً، وَبَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا، وَيَسْتَغْفِرَ اللهَ تَعَالَى سَبْعِيْنَ مَرَّةً بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَيُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيْمِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَيَقُوْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَبْعِيْنَ مَرَّةً: اَللَّهُمَّ أَغْنِنِيْ بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ وَاكْفِنِيْ بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
وَيَقُوْلَ هَذَا الثَّنَاءَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ: أَنْتَ اللهُ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ، أَنْتَ اللهُ الْمَلِكُ الْقُدُّوْسُ، أَنْتَ اللهُ الْحَكِيْمُ الْكَرِيْمُ، أَنْتَ اللهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، أَنْتَ اللهُ خَالِقُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، أَنْتَ اللهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ اللهُ عَالِمُ السِّرِّ وَأَخْفَى، أَنْتَ اللهُ الْكَبِيْرُ الْمُتَعَالِ، أَنْتَ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ يَعُوْدُ كُلُّ شَيْءٍ، أَنْتَ اللهُ دَيَّانُ يَوْمِ الدِّيْنِ، لَمْ تَزَلْ وَلَا تَزَالُ، أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُوْلَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أَنْتَ الْمَلِكُ الْقُدُّوْسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيْزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ.
وَأَمَّا مَا يَزِيْدُ فِي الْعُمْرِ: اَلْبِرُّ، وَتَرْكُ الْأَذَى، وَتَوْقِيْرُ الشُّيُوْحِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَأَنْ يَقُوْلَ حِيْنَ يُصْبِحُ وَيُمْسِيْ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللهِ مِلْءَ الْمِيْزَانِ، وَمُنْتَهَى الْعِلْمِ، وَمَبْلَغَ الرِّضَا، وَزِنَةَ الْعَرْشِ. وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مِلْءَ الْمِيْزَانِ، وَمُنْتَهَى الْعِلْمِ وَزِنَةَ الْعَرْشِ. وَاللهُ أَكْبَرُ، مِلْءَ الْمِيْزَانِ، وَمُنْتَهَى الْعِلْمِ، وَمَبْلَغَ الرِّضَا، وَزِنَةَ الْعَرْشِ
وَأَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ الرَّطْبَةِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُوْرَةِ، وَإِسْبَاغَ الْوُضُوْءِ وَالصَّلَاةَ بِالتَّعْظِيْمِ، وَالْقُرْآنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَحِفْظَ الصِّحَّةِ
وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ الطِّبِّ، وَيَتَبَرَّكَ بِالْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي الطِّبِّ الَّتِيْ جَمَعَهَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِيْ كِتَابِهِ الْمُسَمَّى: بِطِبِّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَجِدُهُ مَنْ يَطْلُبُهُ (فَهُوَ كِتَابٌ مَشْهُوْرٌ)
وَالْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى التَّمَامِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أَفْضَلِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، عَلَى مَمَرِّ الدُّهُوْرِ وَتَعَاقُبِ الْأَيَّامِ، آمِيْنَ.

Catatan: teks Arab diberi harakat untuk membantu bacaan; terjemah Indonesia pada halaman ini ditulis ulang dari matan Arab untuk bahan pembelajaran. Untuk pemahaman yang mendalam, pelajarilah kitab ini bersama guru atau ustadz.

Berbagi

Postingan Terkait

Posting Komentar

Konfirmasi Penutupan

Apakah anda yakin ingin menutup pemutaran video ini?